إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

القضاء العشائري ضابط إيقاع اجتماعي أم إجراء غير نظامي؟   


عمان جو - طارق ديلواني

يعتبره البعض دولة داخل الدولة، مرشحاً للانفجار في وجوه الجميع. البعض الآخر لا يعترف بسواه، ولا تستقيم حياته إلا به، وفريق ثالث هو الأكبر والأشمل والأعم لا يعرف بوجوده من الأصل. لا تزال العشائر التي تقطن الريف والبادية متمسكة بسنن وعادات تكاد تكون قوانين يسير عليها أفرادها، ويتم تنظيم الحياة الاجتماعية وتنسيقها وفقاً لتلك السنن والعادات التي تعرف بالعرف العشائري التي يتوارثها الأبناء عن الآباء.

 

القضاء العشائري في الأردن حاضر بقوة 

 

ما زال المجتمع الأردني يعمل بالقضاء العشائري حتى يومنا هذا، على الرغم من دولة القانون والمؤسسات التي تأسست مع بداية تكوين الدولة الأردنية.

ومع دخول الأردن مئويته الأولى، ظلت الأعراف والقوانين العشائرية قائمة عبر عديد من الموروثات والعادات القديمة التي تعارف عليها الناس عبر السنوات بحيث أصبحت دستوراً بينهم، فقبل سنوات قليلة، ثبت أن القضاء العشائري ما زال حاضراً بقوة، بعد أن صدر قرار من أحد القضاة العشائريين بالحكم على شاب بقطع لسانه بعد تحرشه اللفظي بفتاة، وتم استبداله بدفع مبلغ 56 ألف دولار.

واليوم، أصبح مصطلح "الحق العشائري" بمثابة رديف للقوانين النظامية، لكن ثمة من يرى فيه مكملاً ومسانداً للدولة، بينما يعتقد آخرون أن دوره بات يفوق دور السلطات الرسمية في بعض الأحيان.

 

تاريخ القضاء العشائري

 

يقول مختصون من بينهم الباحث محمد أبو حسان، إن القضاء العشائري في الأردن بلغ أوج نشاطه في الفترة بين عامي 1967 و1975، حيث كانت كل القضايا في المجتمع تدخل ضمن اختصاص محاكم البدو العشائرية وأعرافهم، ابتداءً من قضايا القتل والعرض، وحتى الذم والقدح، لكن بعد ذلك بأعوام، ألغي قانون محاكم العشائر، وحلت المحاكم النظامية محلها، إلا أن ذلك لم يمنع الأردنيين من الاستمرار في اللجوء إلى القضاء العشائري.

ولا تملك السلطات الأردنية سجلات دقيقة بأعداد القضاة العشائريين أو توزيعهم في المملكة، إلا أن معظم العشائر الأردنية الكبيرة لديها قضاة متعارف عليهم ومعتمدون. وفي عام 2012، سجل الأردن 14 "جلوة"، وفي عام 2011، وصلت حالات "الجلوة" إلى 16 كان أبرزها إجلاء 300 شخص من عشيرة واحدة في محافظة الزرقاء، في حين بلغت ستاً في عام 2010.

 

دور اجتماعي

 

ويؤكد شيوخ قبائل أن العشائر باتت مؤسسات اجتماعية قائمة بحد ذاتها، تقوم بأدوار عديدة داخل المجتمع كتحقيق الأمن والعدالة والاستقرار الاجتماعي وفض النزاعات، وأفرز المجتمع العشائري أعرافاً قضائية تعد أقوى من النصوص القانونية، وابتدع وسائل لحسم النزاع أكثر فاعلية من الوسائل القانونية، وثمة من يرى أن القضاء العشائري وضع منهجاً متكاملاً لمحاربة الجريمة.

ويشير الباحث محمد أبو حسان إلى عقوبات عدة في القضاء العشائري من بينها عقوبات بدنية وبديلة وتبعية ومادية، لكن معظم هذه العقوبات لم يعد العمل بها ممكناً وبقيت العقوبات المادية والتبعية كالدية والتعويض. ويتحدث أبو حسان عن تدابير اجتماعية يفرضها القضاء العشائري تسهم في حل النزاعات ووقف الاعتداءات، كالكفالة والدخالة والصلح، والجلاء، وهو حكم عشائري يقضي برحيل أهل القاتل من مكان سكنهم إلى أماكن بعيدة حقناً لدمائهم وخشية الدخول في موجة من الثأر.

 

شروط مجحفة

 

وفي اتجاه آخر، يرى البعض أنه تم تشويه القانون العشائري عبر وضع شروط مجحفة ومخالفة للتقاليد والأعراف، ويوضح هؤلاء أن القانون العشائري أصبح ألعوبة بيد البعض، وأن كثيراً من القضايا أصبحت عالقة بسبب عدم الامتثال للقوانين العشائرية والمزاجية في فرض الشروط، ويتهم مراقبون بعض من يسمون أنفسهم بالمصلحين الاجتماعيين بمحاولة البحث عن مصالحهم الخاصة والتكسب من القضاء العشائري.

وحاولت الحكومة الأردنية في عام 2016 تنظيم القضاء العشائري باعتباره أمراً لا مفر من تجاهله، لكن البرلمان الأردني لم يقر أي توجهات أو قوانين حتى الآن. وتركز الحكومة الأردنية على ضرورة وضع ضوابط لممارسات "الجلوة" العشائرية في نطاق يحمي حقوق وواجبات الإنسان، ومن ضمن التعديلات ألا تشمل "الجلوة" إلا الجاني وأبناءه ووالده فقط، وألا تزيد مدتها على سنة.

 

مصطلحات عشائرية

 

ولا تأخذ المحاكم النظامية في القضاء الأردني ببيانات القضاء العشائري الذي يسهم في كثير من الأوقات بإسقاط الحق الشخصي وتسريع عمليات التقاضي، ويوفر على السلطات عناء التدخل لوقف أي عنف متبادل والإصلاح بين الجهات المتنازعة. ولا توجد أي صفة قانونية للقاضي العشائري لكنه يحظى باحترام الناس وتقديرهم، لدوره الكبير في الإصلاح المجتمعي، وحتى اللحظة، وعلى الرغم من انتهاء عهد البداوة في البلاد، ما زال الأردنيون يقنعون بالعرف العشائري فقط في قضايا القتل والعرض.

ولا يملك القضاء العشائري صلاحيات الحبس أو الإعدام، ولذلك تتراوح العقوبات العشائرية بين "الدية"، و"الجلوة"، أما "فورة الدم" فهي هدنة لمدة ثلاثة أيام يتعهد فيها أهل المجني عليه بعدم التعرض لأحد من أهل الجاني، وهذه العملية تسمى" العطوة" التي تطلب من قبل طرف أهل الجاني أو المعتدي.

 

الأعراف العشائرية في العراق تقتل القوانين الوضعية

 

على الرغم من أن بعض الأعراف العشائرية اندثرت، لكن هناك أعرافاً بقيت تتناقلها الأجيال لغاية يومنا هذا ومنها على سبيل المثال وجود المضيف، وهو مكان يجتمع فيه أفراد العشيرة للتداول بأمورهم وحل مشكلاتهم، كان المضيف سابقاً عبارة عن خيمة كبيرة، أما عند العشائر المستقرة في جنوب العراق فيتمثل ببيت من القصب منعزل عن القرية ويتوسطه دلال القهوة ويقدم الأكل والشرب وتسرد الحكايات والحكم والنوادر التي كان لها آثر بالغ في خلق جيل العشيرة الناشئ، إذ يتعلمون فيه عادات قومهم وأخلاقهم وهو بمثابة مدرسة يُلم مرتاده بمعلومات قيمة وأخلاق سامية.

لم تحتفظ العشائر بقيمها السامية التي كانت تمثل دستوراً يرسم علاقتها مع المجتمع، فبعد نزوح العشائر للمدن سيطرت قيم العشيرة على المدنية بجانبها الطالح الضار الذي عرض مبدأ التعايش السلمي لمخاطر التصدع والانهيار.

 

الدكة العشائرية

 

بات أهل المدن يتعرفون على القيم العشائرية بجانبها السلبي من خلال ما تمارسه العشائر من عادات وسلوكيات داخل المدن فأصبح مفهوم "الدكة العشائرية والعطوة والفصل العشائري" من المفردات التي يتداولها أهل المدن، وأصبح شائعاً ولا سيما جنوب العراق رؤية مواجهات مسلحة بين العشائر تنتهي بحرق المنازل وتزهق فيها الكثير من الأرواح. والمقصود "بالدكة العشائرية"، الغزو الليلي، وينجم هذا العمل عن اعتداء وقع لفرد من أفراد عشيرة من قبل عشيرة أخرى، ويشكل هذا الاعتداء إهانة لكل المنطوين تحت لواء العشيرة بحسب أعرافه، فنراهم يهبّون حاملين سلاحهم ضد قبيلة أو عشيرة المُعتدي ليفاجئوهم ليلاً بوابل من الطلقات النارية المركزة على بيوتهم، ومن ثم يعرّفون عن أنفسهم بصوت مرتفع وينصرفون لتعلم قبيلة المعتدي أن هذا الفعل جاء جراء اعتداء قريبهم على أحد أفراد العشيرة.

تنامت ظاهرة "الدكة العشائرية" التي تستخدم فيها الأسلحة بشكل ملحوظ بعد عام 2003، الأمر الذي دعا مجلس القضاء الأعلى وكجزء منه لاحتواء المشكلة لإصدار قرار باعتبار "الدكة العشائرية" إرهاباً وفق المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لعام 2005، التي تنص على أن "التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أياً كانت بواعثه يعد من الأفعال الإرهابية".

وبعد الدكة العشائرية يأتي دور "الفصل العشائري" وهو مصطلح يطلق على طريقة حل مشكلات العشائر مثل الاعتداءات والتجاوزات التي تحدث بينهم، ولكي يحسموا القضية ويحل السلم بين العشيرتين تجتمعان في مضيف قبيلة المعتدى عليه، ويتم الاتفاق على دفع مبلغ من المال تدفعه العشيرة المعتدية، ويؤمن شيوخ العشائر أن الفصل العشائري له شأن كبير في إخماد فتن وحوادث قد تتعاظم إذا تركت من دون حسم، والنهاية الحتمية لأي حادثة صغيرة أم كبيرة تنتهي بالفصل العشائري الذي يتمثل بدفع مبلغ من المال.

 

القانون العراقي وقضايا الفصل العشائري

 

يوضح الباحث والمدون في تاريخ القبائل مصعب العبيدي، أن الدولة العراقية أسهمت ببقاء قضايا الفصل العشائري، على الرغم من عدم تعامل المحاكم العراقية مع القوانين العشائرية كقوانين مدنية لكنها بذات الوقت لا تمنع الفصل العشائري. يكمل العبيدي "أن السلطات البريطانية وفي بداية تأسيس الدولة العراقية سنّت قانوناً خاصاً لدعوى العشائر وتمت إضافته للمحاكم المدنية". وبعد ثورة 1958 ألغي القانون الخاص بدعوى العشائر محاولة من الدولة آنذاك لخلق مجتمع مدني متحضر تكون الكلمة العليا فيه لسلطة القانون المدون وليس للأعراف العشائرية. 

وبعد عام 2003 عادت وبشكل جلي، القيم العشائرية للظهور مجدداً. فمع ضعف سلطة القانون بات الاحتكام لقانون العشائر يطغى على سلطة القانون، بل إن الدولة العراقية أضافت مؤسسات تنظر بالخلافات العشائرية في وزارات الدولة الأمنية كما هي الحال في وزارة الداخلية، إذ خصصت مديرية لشؤون العشائر تقع عليها مهمة حل النزاعات العشائرية.

ويشير موقع وزارة الداخلية العراقية إلى أن مديرية العشائر تمكنت في عام 2020 من حسم 450 نزاعاً عشائرياً في عموم المحافظات العراقية.

 

السلاح المنفلت

 

في المقابل، يرى مصعب العبيدي أن أحد أسباب انتشار ظاهرة النزاعات العشائرية هو السلاح المنفلت، فغالبية أبناء العشائر جنوب العراق ينتمون إلى فصائل الحشد، أو هم منتسبون في الأجهزة الأمنية، و"انتشار السلاح بين أبناء العشائر وضعف سطوة الدولة عزز من تنامي ظاهرة الدكة العشائرية وتحولت النزاعات بين العشائر لحرب تستخدم فيها الأسلحة".

 

ضحايا العرف العشائري

 

للعرف العشائري ضحاياه، فعلى سبيل المثال لا ترضى بعض العشائر بالدية أو الفصل في حالات القتل، بل يلجأ البعض منها إلى ترحيل عشيرة أو قبيلة القاتل وإبعادهم عن المدينة، وكثيراً ما تتضرر النساء من الأعراف العشائرية كما هي الحال في "زواج الفصلية"، يتمثل بإعطاء المرأة  كفصيلة للعشيرة التي قتل منها أحد أفرادها، ومبّرر القاضي العشائري أن المرأة تساعد على إطفاء الفتنة وإرضاء النفوس، وتجعل العشيرتين تربطهم صلة قربى وتصاهر، لكن بالحقيقة تكون المرأة هي الضحية، وعلى رغم أن زواج الفصلية اختفى من أعراف بعض العشائر، إلا أنه لا يزال قائماً عند البعض منها.

 

الابتزاز يرافق الفصل العشائري

 

من جهة ثانية، يقول أحد شيوخ عشيرة العباده علي العبادي، "في السابق كان شيوخ العشائر يسعون وبشكل جاد لإصلاح ذات البين وتقويم المجتمع، وكانت مضايفهم منابر لتصحيح العادات والتقاليد الخاطئة، الآن أصبحت هذه الظواهر شبة معدومة، بل إن ظاهرة الفصل العشائري أضحى إحدى وسائل الابتزاز للحصول على الأموال"، وبذلك أصبح الفصل العشائري وسيلة لزيادة المشكلات بدلاً من تحجيمها.

ويوضح العبادي أن بعض شيوخ العشائر يجدون في قضايا الفصل العشائري مكسباً مادياً أو غنيمة فهو لا يتدخل لحل المشكلة، إلا بعد أن يدفع له مبلغ من المال، وغالباً ما يتم ابتزاز العشيرة التي تدفع الفصل بحجة تقليل قيمته.

وفي السياق ذاته، يرى صهيب العبيدي أن الفصول العشائرية التي كانت موجودة سابقاً بداية تأسيس الدولة العراقية تختلف وبشكل كامل عن الفصول الحالية، "فقد عالجت الدولة وضمن قانون دعاوى العشائر قضايا أسست للتعايش السلمي بين القبائل، كما حدث في الفصل بين قبيلة عبيد وقبيلة شمر. فبعد سنوات من الاقتتال الذي خلف آلاف القتلى من القبيلتين، لجأت الدولة إلى إحضار مشايخ قبائل عربية من صعيد مصر، ومن نجد من عشائر عنزة وبني تميم، وسنت قانوناً وفصلت بين القبيلتين، وكان الصلح برعاية حكومية أنهت سنوات من الاقتتال بين القبيلتين.

وبذلك فرضت قيم العشيرة سطوتها على حاضرة المدن وأصبح ابن المدنية مجبراً على تبني قانون العشائر، فلا قانون يقدم له الحماية إذا ما جوبه بالدكة العشائرية لأسباب قد لا تكون قضايا كبيرة مثل القتل العمد، بل من الممكن أن تكون قضايا بسيطة تتمثل على سبيل المثال بتجاوزات لفظية وخلافات بسيطة.

 

خلل في محاكم اليمن وسّع دائرة القضاء العرفي

 

على الرغم من أن وحدة اليمن عام 1990 أرست نظرياً منظومة قضائية موحدة وقوانين صارمة، إلا أن الصراعات والحروب التي شهدتها هذه السنوات ألقت بتداعياتها السلبية على المنظومة القضائية الرسمية. وفي هذا الصدد يقول القاضي أبو بكر بافقير، إن المحاكم اليمنية تأثرت بالأوضاع السياسية والأمنية المضطربة التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي ألقت بظلالها على عمل المنظومة القضائية في تأدية مهماتها.

 

تنامي العرف القبلي

 

ويضيف بأن هذا الخلل في القضاء الرسمي شجع على تنامي القضاء العرفي والقبلي في مناطق اليمن، إذ تميز بسرعة الفصل في الأحكام بين المتخاصمين، مقارنة بالمحاكم الرسمية. ويوضح بافقير أن الحكم العرفي القبلي يعني "فصل النزاع على أيدي المحكّمين المختارين من قبل أطراف الخصومة باختيارهم ورغبتهم، وهو حكم يعتبر ابتدائياً عند محاكم الدولة، يجوز الطعن فيه أمام محكمة الاستئناف، وهناك قانون التحكيم الذي صدر بعد الوحدة اليمنية، وينظم هذا النوع من القضاء العرفي".

 

تاريخ الأحكام العرفية

 

يسهب القاضي مفصلاً تاريخ الأحكام القبليّة الحديثة في جنوب اليمن وشماله قائلاً، "الأحكام العرفية في جنوب اليمن قبل استقلاله عن بريطانيا عام 1967، كانت تستند إلى الشرع، وبخاصة في الجانب الجنائي، إذ لا توجد أية منازعات تجارية في ذلك الوقت، باستثناء المنازعات حول الأراضي الزراعية ومساقيها، وكانت الأحكام العرفية حينها تعتمد على شهادة الشهود واليمين الشرعية، وبعض البيّنات والأدلة مثل الشيم والبصائر. أما بعد الاستقلال فأنشئت المحاكم الرسمية، وتم تطوير هذا النوع من القضاء، وجل أحكامه تستمد من الشريعة والقانون والعرف الذي لا يناقض الشريعة والقانون، وإذا خالف فقد يتم إبطال ذلك الحكم القبلي أو العرفي في المحاكم الرسمية".

وتابع، "في الشمال تسود الأحكام العرفية والقبليّة بشكل أكبر منذ سنوات طويلة، فشيخ القبيلة يعتبر عنصراً أساساً فيه، كون الأعراف القبليّة وسلطة القبيلة وشيخ القبيلة لهم دور أساس وكبير، فالمناطق القبليّة تعتبر من الأكثر ممارسة له، بسبب طغيان الأعراف القبليّة لديها على القوانين الحكومية، إضافة إلى ضعف سيطرة الحكومة المركزية على كثير منها. وتبعاً لذلك، فكلما كانت المنطقة أكثر قبليّة، مثل مناطق مأرب والجوف والبيضاء وذمار، كان التقاضي العرفي سائداً على حساب التقاضي الرسمي".

 

تداخل

 

ينوّه الكاتب والباحث عبد الناصر المودع إلى وجود تداخل بين التقاضي الرسمي والعرفي أحياناً، فالأحكام العرفية والقبليّة هي أحكام ابتدائية قابلة للاستئناف في محاكم القضاء الرسمي، إضافة إلى التداخل في القضايا ذات الطابع الجنائي.

 

طرق التحكيم

 

ويشرح المودع في دراسته البحثية عن "التقاضي الرسمي والعرفي في اليمن" طرق التحكيم العرفي اليمني قائلاً، "يقوم المدعى عليه بتحكيم المدعيّ ليكون هو الخصم والحكم، ويتم ذلك بأن يسلم المدعى عليه في العادة أهله أو قبيلته بنادق أسلحة للمدعيّ أو أهله، وتكون هذه البنادق بمثابة ضمانة من قبل المحكمين في الالتزام بتنفيذ الحكم، ودليل على حسن النية من قبلهم. وبعد أن يتم قبول البنادق تعتبر تلك الفترة بمثابة هدنة لا يجب من الطرفين إحداث أي أعمال تخل بالقضية لحين النظر فيها، ويتم بعدها الاتفاق على نوعية التحكيم، إذ إن هناك تحكيماً لا يحق الاستئناف ضده إلى هيئة رسمية أو عرفية أعلى".

أما الطريقة الثانية للتحكيم فهي التي تتم بعد أن "يتقدم المدعيّ بوضع بنادق لدى شيخ أو من في حكمه، وفي هذه الحالة يتولى الشخص الذي تسلّم البنادق بطلب بنادق من المدعى عليه، وبعد أن يوافق يتم الاتفاق على نوع التحكيم والأشخاص المحكمين، فيما تتم الطريقة الثالثة بأن يقوم طرف ثالث بالتدخل لدى المتنازعين من طريق أخذ بنادق تحكيم منهم". وطالب المودع بتعزيز السلطة القضائية الرسمية من خلال تحسين ظروف عملها من ناحية فنية خالصة، والمتمثلة في زيادة عدد القضاة وأعضاء النيابة، لتكون متناسبة مع حجم القضايا، بدلاً من الصورة الحالية التي تشهد ازدحام وتراكم القضايا في المحاكم والنيابات بشكل مخيف، بحسب رأيه.

 

القبائل في السعودية وتأثير قوانينها

 

تعد القبائل في السعودية، البلد الأكثر تعداداً للسكان خليجياً، المكون الأساسي للسكان في البلد الشاسع جغرافياً ومترامي الأطراف، والمطل على البحر الأحمر والخليج العربي. 

كما أن أعراف القبيلة، أو ما يطلق عليها السكان المحليون "السلوم" (دستور لكل قبلية متعارف عليه بين أفرادها)، ويبلغ تأثيرها أحياناً والالتزام بها أكثر من الالتزام ببعض أحكام الدين، وثمة حكمة جاءت بها تلك "السلوم" درجت على ألسن كثيرين تؤكد هذا الأمر، وهي، "حكم أعوج، ولا شريعة سمحة"، وهي الحكمة التي يستعين بها كبار القبيلة ومؤثروها لصاحب حق من أجل التنازل والعفو.

 

الديات

 

كما أنه لشيخ القبيلة أو من يحمل في بطاقته الوطنية اسماً لجد كان من كبارها، تأثير على مسار بعض القضايا قبل بلوغها دوائر القرار الحكومية، وهو أمر أسهم في تخفيف الأعباء عن بعض الجهات الرسمية، خصوصاً الأمنية والقضائية. في الديات مثلاً، وهو المبلغ الذي يطلبه أبناء القتيل مقابل التنازل عن القاتل بعد إصدار الحكم الشرعي، والتي تبلغ عشرات الملايين، غالباً يتم التوجه لشيخ القبيلة من أجل مساعي الصلح وطلب مبلغ من المال مقابل التنازل عن المدان.

تماماً كما حدث قبل نحو عامين عندما أشعلت منصات التواصل قضية عفو شهيرة، حين طالب ذوو القتيل التنازل مقابل 55 مليون ريال، أي ما يزيد على (14 مليون دولار)، حينها سارعت القبيلة في عقد اجتماع لوضع خطة إنقاذ أحد أبنائها من عقوبة القتل، وهو ما حدث في غضون شهر حين استطاعت أن تدفع المال مقابل العفو، وكان لوجهائها نداءات لأبنائها من أجل إطلاق سراح سجين مضى بضع سنوات، كان وجهاء قبيلته يسعون للصلح.

 

لا تتعارض مع أنظمة السلطات

 

هذه المساعي القبلية لا تتعارض مع أنظمة السلطات في البلاد، إذ إن الحساب البنكي لا يمكن فتحه إلا عن طريق إمارة المنطقة، التي تتبع لها أطراف القضية حينها يبدأ أعيان القبيلة في نشره. ويقول الكاتب السعودي يوسف السليس، وهو الذي التقى كثيراً من مشايخ القبائل حين عمل في محطات تلفزيونية شعبية تهتم بالموروث الشعبي في السعودية لأكثر من عقدين من الزمان، إن لمشايخ القبائل اعتباراً لدى أفرادها، كما أنه غالباً ما تنجلي كثير من المشاكل بسبب مساعي صلح يقومون بها.

ويؤكد السليس، الذي عمل على تأليف كتاب يهتم بالأنساب، أن هذه ليست خصوصية تنفرد بها بلاده فحسب، بل في الجزيرة العربية عموماً لمشايخ القبائل أو العشائر احترام كما لو أنهم قضاة رسميون فيما يتعلق بالأحكام العرفية التي تتبعها قبائلهم. ويستدل السليس أيضاً بلجان الصلح التابعة لوزارة العدل في بلاده، والتي فعّلت أخيراً قبل البت في القضايا، وهي جهة تسعى أولاً للصلح بين المتخاصمين عبر موظفين رسميين، وهم غالباً ما يستعينون بشيوخ القبائل، وهذا أمر يصفه السليس، بـ "الإيجابي والجدير بالثناء".

 

القضاء العرفي في مصر البوابة الخلفية للعدالة "النسبية" الناجزة

 

يبت القضاء العرفي أحوال ملايين المصريين خلف أبواب بيوت مغلقة، وهو القضاء الذي تدور مجرياته بدقة وحنكة ونظام وقواعد، وتُطبق أحكامه بحسم وحزم ومن دون اضطرار لاستدعاء فيالق من الأمن لضمان النفاذ.

القضاء العرفي شائع في مصر، ليس فقط بين القبائل البدوية في المحافظات الحدودية كما يعتقد البعض، بل في كثير من المحافظات في شمال مصر وجنوبها، بل امتد كذلك إل داخل المدن الكبرى، تحديداً بين المجتمعات التي هاجرت داخلياً، وتركزت معيشتها جنباً إلى جنب، حيث نقلت معها جانباً من أسلوب حياتها.

المصريون المتعاملون بالقضاء العرفي يعتبرونه منذ مئات السنوات وسيلة للضبط الاجتماعي، والضبط الاجتماعي بحسب دراسة أجراها معهد الدراسات والبحوث البيئية في جامعة عين شمس عنوانها "دور الضبط الاجتماعي غير الرسمي في تحقيق الأمن المجتمعي"، هو وسيلة تمارس بشكل تلقائي من قبل مواطنين يتمتعون بمكانة اجتماعية متميزة ومرموقة في مجتمعاتهم الصغيرة، ويكن لهم أفراد المجتمع احتراماً واعتباراً، ويقرون بسلطتهم الاجتماعية المعنوية عليهم.

وعلى مر العقود، أصبحت هناك مفاهيم ومعايير مرتكزة على العادات والتقاليد، يعتبرها أفراد هذه المجتمعات بمثابة القوانين التي تطبقها المجالس العرفية في المشكلات والمنازعات، التي يصل بعضها إلى درجة جرائم القتل التي يرتكبها أفراد من هذا المجتمع المحلي.

 

المحكمة في البيت

 

جلسات القضاء العرفي تنعقد في داخل بيت يتمتع صاحبه بسيرة طيبة بين أفراد المجتمع، ويحظى برضا طرفي النزاع، ويشترط فيه عدم الارتباط بهذين الطرفين بأية علاقات نسب مباشرة، يمكنها أن ترجح كفة هذا ضد ذاك. وعادة تكون الجلسات علنية يحضرها الجميع، لكنها تكون كقاعة المحكمة تماماً، حيث لا يتحدث أي من الحاضرين إلا بإذن القاضي. والقاضي هنا أو رئيس المحكمة ومعه العضو اليمين والعضو اليسار يجري اختيارهم من الرجال من أصحاب السمعة والمكانة ورجاحة العقل والإلمام الجيد بالشرع والقدرة على الاجتهاد والقياس لإصدار الأحكام.

وتشمل هيئة المحكمة ما يشبه الطبيب الشرعي، وهو قصاص أثر وتتم الاستعانة به بشكل كبير في قضايا الاعتداء البدني لقدرته على تقصي آثار المدعي والمدعى عليه، كما يوجد معاون للقاضي وموثق لمجريات الجلسات وغيرهما من أعضاء هيئة القضاء العرفي، وجميعهم مواطنون عاديون.

 

أمان وعدل

 

وعلى الرغم من أن الدراسة تشير إلى دور القضاء العرفي في شعور أبناء المجتمعات المحلية بالأمان والعدل والطمأنينة، فإن القضاء العرفي يظل مرتبطاً بمنظومة القضاء الرسمية للدولة بعلاقة معقدة متشابكة قائمة على الحب الكراهية. فمن جهة، يخفف هذا النوع من القضاء الكثير عن أعباء المحاكم المدنية الرسمية العادية، إذ يمكن أن تبقى قضية واحدة تصول وتجول في أروقتها سنوات وسنوات، ولذلك يسمي البعض القضاء العرفي "القضاء الناجز". 

لكن في الوقت نفسه فإن بقاء القضاء العرفي واستمراره يظل مبقياً على باب منافسة الدولة في مهامها وسلطاتها وهيمنتها مفتوحاً، بل يمكن أن يصدر القضاء العرفي حكماً مناقضاً لدستور الدولة وسياستها. ويقول المحامي رفعت سيد إن "القضاء العرفي أسهم على مدى قرون طويلة في حل منازعات عديد من المجتمعات عبر قوانين غير مكتوبة أو مدونة، معتمداً فقط على العرف والعادات والتقاليد، لكن ظهرت جوانب أخرى له في العصر الحديث تدعو إلى قدر من التخوف".

 

الإسلام السياسي والأحكام

 

وشهدت السنوات القليلة الماضية، وفي ظل تصاعد تيارات الإسلام السياسي والإسلام المتشدد دوراً متزايداً للمحاكم العرفية في النزاعات الطائفية، وذلك بعيداً عما ينص عليه دستور مصر من مساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الانتماءات الدينية. وعلى الرغم من ذلك لجأت العديد من القرى التي نشبت فيها نزاعات بين مسلمين ومسيحيين، بسبب قصة حب مختلطة الديانة، أو صلاة مسيحيين في بيوتهم أو بناء كنيسة أو ما شابه إلى القضاء العرفي للحل، وفي الغالبية العظمى من الحالات، يحكم القضاء العرفي بتهجير الأسر المسيحية لحقن الدماء.

ويؤكد تقرير "في عُرف من؟" دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسؤولية الدولة" الصادر عن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" (منظمة حقوقية) (2015) إلى أن أغلب الأحكام تصدر لصالح الغالبية العددية (المسلمين) وضد الأقلية العددية (المسيحيين) من دون النظر إلى عوامل أخرى، مثل من اعتدى على من؟ ومن منع من من ممارسة حقوقه التي نص عليها الدستور والقانون.

ويشير التقرير إلى أن نجاح القضاء العرفي في لعب دور مهم لتهدئة الاحتقان الطائفي والاعتداءات أمر جيد، لا سيما في ظل انتشار عوامل الفرز الديني والطائفي واستخدام ذلك لحشد الأنصار والمؤيدين وتحريضهم للاصطفاف وتغذية الاستقطاب، لكنه كان أيضاً عاملاً مساعداً على تكرار الاعتداءات الطائفية. كما تحول في الكثير منه إلى بوابة للهرب من تنفيذ القانون، إذ إن صاحب السطوة العشائرية يمتلك قوة تنفيذ القانون العرفي الذي يخدم الغالبية العددية. ووصل الأمر إلى درجة الحكم على أسر بأكملها بالتهجير أو بقاء غيرها في بيوتها أو عدم ممارسة شعائر دينية. كما أن أحد أهم شروط القضاء العرفي جرى خرقه في عدد من الحالات، إذ تم عقد هذه المحاكم برضا طرف واحد من دون الآخر.

 

فتنة واحتقانات وعدالة

 

وإذا كانت قضايا الفتنة والاحتقانات الطائفية ذاع صيتها في أروقة القضاء العرفي في العقود القليلة الماضية، فإن القضايا الكلاسيكية في هذا النوع من القضاء هي قضايا الدم، وهي أصعب الأنواع وعادة يحكم فيها بـ "الدية"، وتكون بحديد عدد من الجمال تقدمها أسرة القاتل لأسرة القتيل.

كما يبحث القضاء العرفي في العديد من قضايا الثأر. وعلى الرغم من اعتقاد البعض أنه لم تعد هناك جرائم ثأر تحدث في مصر، فإن الواقع يشير إلى غير ذلك. وقبل أيام قليلة، تربص عدد من الأشخاص بأفراد عائلة كانت تستقل ميكروباص في نجع حمادي في محافظة قنا (صعيد مصر)، وأطلقوا النار عليهم، فقتلوا 10 وأصابوا أربعة منهم، بينهم نساء وأطفال، وذلك ثأراً لمقتل أحد أفراد عائلتهم بطلق ناري في مشاجرة سابقة. 

كما تلجأ مجتمعات محلية عدة إلى القضاء العرفي في مسائل تتعلق بالنساء، مثل مشكلات الزواج والطلاق والمهر والنفقة وغيرها.

ويظل القضاء العرفي معمولاً به في مجتمعات محلية عدة في مصر، باعتباره باباً خلفياً للعدالة الناجزة السريعة، لكنها عدالة نسبية حيث القوانين غير مكتوبة، والقواعد تعتمد على العرف والتقاليد، وربما الكثرة العددية والأيديولوجيا السياسية والدينية.اندبندت عربية

 




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :