نساء رائدات في غزة تتحول خيوط الصوف إلى أمل وحب
عمان جو - في غزة، حيث تفرض الحرب إيقاعها القاسي على تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول المهارات البسيطة إلى قصص إنسانية نابضة بالصبر والأمل، لم تعد حياكة الصوف مجرد عمل يدوي، بل صارت وسيلة للبقاء، ومنح الدفء، والتعبير عن الحب والصمود في مواجهة الظروف الصعبة.
خيوط الحياة
في زمن الحرب، حين يفقد الدفء معناه وتغدو أبسط الاحتياجات ترفًا نادرًا، برزت تجربة شهد كامل بوصفها حكاية إنسانية تختصر معاناة الأمهات في غزة. ومع اشتداد الحرب وإغلاق الأسواق، اختفت الملابس الشتوية، ولم يعد هناك ما يقي الأطفال من برد الشتاء القاسي أو يمنحهم إحساسًا بالأمان.
وسط هذا الواقع، جاءت ابنة شهد كامل إلى الحياة، وكانت ولادتها لحظة نور في عتمة الحرب، لكنها حملت معها قلقًا عميقًا، إذ لم تتوفر ملابس شتوية مناسبة، لا جميلة ولا كافية لحماية جسدها الصغير من البرد. وأمام هذا النقص القاسي، لم تقف شهد عاجزة، بل اتخذت قرارًا بسيطًا في شكله، عظيمًا في معناه، وهو صناعة الملابس بيديها.
جمعت ما توفر لديها من صوف وبقايا خيوط، وحولتها إلى وسيلة للحياة. جلست تحيك بهدوء وصبر، غرزة بعد أخرى، فيما كانت أصوات القصف تختلط بصوت الريح. لم تكن الملابس متقنة الصنع، لكنها كانت دافئة، محمّلة بالحب والحرص، وكأن كل خيط فيها وعد بالحماية.
ولم تقتصر هذه المحاولة على المولودة الجديدة، بل امتدت لتشمل جميع الأطفال، الذين وجدوا في تلك الملابس أكثر من مجرد دفء جسدي؛ وجدوا فيها طمأنينة وأمانًا، وشعورًا بأن هناك من يقاوم من أجلهم. وتحولت الخيوط الصوفية إلى رمز لصمود يومي هادئ، وصارت يدا شهد كامل أداة مقاومة لا تُرى، لكنها عميقة الأثر.
في زمن تُسلب فيه مقومات الحياة، صنعت شهد كامل الدفء من القليل، والجمال من الضرورة، وقدمت نموذجًا صامتًا لقوة الأمومة التي لا تنكسر، حتى في أقسى الظروف.
رزق مرهق
حوّلت ندى صيدم حياكة الصوف من مهارة بسيطة إلى وسيلة للعيش في زمن الحرب. ففي ظل انعدام فرص العمل وضيق سبل الرزق، وجدت في الخيوط الصوفية مصدرًا تعيل به نفسها وأطفالها. كانت تجلس لساعات طويلة تحيك بصبر، محاولة أن تصنع من القليل ما يكفي للاستمرار.
لم تكن حياكة الصوف بالنسبة لندى مجرد عمل، بل مسؤولية ثقيلة تحملها يوميًا. كانت تبيع ما تصنعه للنازحين الذين يبحثون عن الدفء في خيامهم، مدركة أن هذه القطع البسيطة قد تكون الفارق بين ليلة باردة وأخرى أكثر احتمالًا. ومع ذلك، كان يثقل قلبها أن تعرض منتجاتها بأسعار مرتفعة، ليس طمعًا، بل لأن ثمن كرة الصوف وحده مرتفع، ولأن العمل شاق ويحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
كانت ندى تدرك معاناة من يشتري منها، فهي تعيش الألم ذاته، وكثيرًا ما شعرت بالحزن وهي تحسب التكلفة، متمنية أن تستطيع البيع بأسعار أقل، لكن قسوة الواقع كانت تفرض شروطها. وبين غلاء المواد الأولية وطول ساعات العمل، لم يكن أمامها خيار سوى الاستمرار.
هكذا صارت حياكة الصوف بالنسبة لندى فعل صمود يومي، تحاول من خلاله تأمين لقمة العيش، وفي الوقت نفسه الحفاظ على كرامتها وكرامة من حولها. وفي زمن الحرب، لم تكن الخيوط مجرد صوف، بل حكاية امرأة تقاوم الحاجة بالصبر، وتنسج الحياة من بين أصابعها.
منذ طفولتها، نشأت مريم فارس وهي ترى والدتها تحيك الملابس الصوفية بحب وصبر. كانت تراقب حركة يديها، وتتابع الخيوط وهي تتحول قطعة بعد أخرى إلى ملابس دافئة. ومع مرور الوقت، لم تكن هذه المشاهد مجرد ذكريات، بل صارت دروسًا غير مباشرة تعلمت منها مريم فن الحياكة وأسراره. كبرت مريم، وكبرت معها هذه المهارة، فغدت حياكة الصوف جزءًا من حياتها. لم تتخذها وسيلة للرزق، بل جعلت منها فعلًا إنسانيًا مليئًا بالمحبة. كانت تصنع الملابس الصوفية بعناية لتقدمها هدايا للمواليد الجدد من قريباتها، وهدايا لصديقاتها، معتبرة أن هذه القطع تحمل قيمة معنوية تفوق أي هدية جاهزة.
كانت مريم ترى في كل قطعة تحيكها رسالة فرح واهتمام، وتؤمن بأن الملابس المصنوعة يدويًا تحمل دفئًا خاصًا لا تمنحه الأشياء الجاهزة. ومع كل مولود جديد، كانت تعيد إحياء تلك الذكريات الأولى مع والدتها، وكأن الخيوط تجمع بين جيلين، وتنقل الحكاية من يد إلى يد.
هكذا تحولت حياكة الصوف في حياة مريم فارس من مهارة تعلمتها في طفولتها إلى لغة حب تعبّر بها عن مشاركتها الآخرين لحظات الفرح، محافظة على إرث عائلي بسيط، لكنه عميق المعنى.
وتكشف هذه الحكايات أن الدفء في غزة لا تصنعه الملابس وحدها، بل تصنعه القلوب الصابرة والإرادة التي لا تنكسر. ورغم الحرب وقسوة الواقع، يظل الإنسان قادرًا على تحويل الألم إلى عطاء، وصناعة الأمل من أبسط الأشياء.
عمان جو - في غزة، حيث تفرض الحرب إيقاعها القاسي على تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول المهارات البسيطة إلى قصص إنسانية نابضة بالصبر والأمل، لم تعد حياكة الصوف مجرد عمل يدوي، بل صارت وسيلة للبقاء، ومنح الدفء، والتعبير عن الحب والصمود في مواجهة الظروف الصعبة.
خيوط الحياة
في زمن الحرب، حين يفقد الدفء معناه وتغدو أبسط الاحتياجات ترفًا نادرًا، برزت تجربة شهد كامل بوصفها حكاية إنسانية تختصر معاناة الأمهات في غزة. ومع اشتداد الحرب وإغلاق الأسواق، اختفت الملابس الشتوية، ولم يعد هناك ما يقي الأطفال من برد الشتاء القاسي أو يمنحهم إحساسًا بالأمان.
وسط هذا الواقع، جاءت ابنة شهد كامل إلى الحياة، وكانت ولادتها لحظة نور في عتمة الحرب، لكنها حملت معها قلقًا عميقًا، إذ لم تتوفر ملابس شتوية مناسبة، لا جميلة ولا كافية لحماية جسدها الصغير من البرد. وأمام هذا النقص القاسي، لم تقف شهد عاجزة، بل اتخذت قرارًا بسيطًا في شكله، عظيمًا في معناه، وهو صناعة الملابس بيديها.
جمعت ما توفر لديها من صوف وبقايا خيوط، وحولتها إلى وسيلة للحياة. جلست تحيك بهدوء وصبر، غرزة بعد أخرى، فيما كانت أصوات القصف تختلط بصوت الريح. لم تكن الملابس متقنة الصنع، لكنها كانت دافئة، محمّلة بالحب والحرص، وكأن كل خيط فيها وعد بالحماية.
ولم تقتصر هذه المحاولة على المولودة الجديدة، بل امتدت لتشمل جميع الأطفال، الذين وجدوا في تلك الملابس أكثر من مجرد دفء جسدي؛ وجدوا فيها طمأنينة وأمانًا، وشعورًا بأن هناك من يقاوم من أجلهم. وتحولت الخيوط الصوفية إلى رمز لصمود يومي هادئ، وصارت يدا شهد كامل أداة مقاومة لا تُرى، لكنها عميقة الأثر.
في زمن تُسلب فيه مقومات الحياة، صنعت شهد كامل الدفء من القليل، والجمال من الضرورة، وقدمت نموذجًا صامتًا لقوة الأمومة التي لا تنكسر، حتى في أقسى الظروف.
رزق مرهق
حوّلت ندى صيدم حياكة الصوف من مهارة بسيطة إلى وسيلة للعيش في زمن الحرب. ففي ظل انعدام فرص العمل وضيق سبل الرزق، وجدت في الخيوط الصوفية مصدرًا تعيل به نفسها وأطفالها. كانت تجلس لساعات طويلة تحيك بصبر، محاولة أن تصنع من القليل ما يكفي للاستمرار.
لم تكن حياكة الصوف بالنسبة لندى مجرد عمل، بل مسؤولية ثقيلة تحملها يوميًا. كانت تبيع ما تصنعه للنازحين الذين يبحثون عن الدفء في خيامهم، مدركة أن هذه القطع البسيطة قد تكون الفارق بين ليلة باردة وأخرى أكثر احتمالًا. ومع ذلك، كان يثقل قلبها أن تعرض منتجاتها بأسعار مرتفعة، ليس طمعًا، بل لأن ثمن كرة الصوف وحده مرتفع، ولأن العمل شاق ويحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
كانت ندى تدرك معاناة من يشتري منها، فهي تعيش الألم ذاته، وكثيرًا ما شعرت بالحزن وهي تحسب التكلفة، متمنية أن تستطيع البيع بأسعار أقل، لكن قسوة الواقع كانت تفرض شروطها. وبين غلاء المواد الأولية وطول ساعات العمل، لم يكن أمامها خيار سوى الاستمرار.
هكذا صارت حياكة الصوف بالنسبة لندى فعل صمود يومي، تحاول من خلاله تأمين لقمة العيش، وفي الوقت نفسه الحفاظ على كرامتها وكرامة من حولها. وفي زمن الحرب، لم تكن الخيوط مجرد صوف، بل حكاية امرأة تقاوم الحاجة بالصبر، وتنسج الحياة من بين أصابعها.
منذ طفولتها، نشأت مريم فارس وهي ترى والدتها تحيك الملابس الصوفية بحب وصبر. كانت تراقب حركة يديها، وتتابع الخيوط وهي تتحول قطعة بعد أخرى إلى ملابس دافئة. ومع مرور الوقت، لم تكن هذه المشاهد مجرد ذكريات، بل صارت دروسًا غير مباشرة تعلمت منها مريم فن الحياكة وأسراره. كبرت مريم، وكبرت معها هذه المهارة، فغدت حياكة الصوف جزءًا من حياتها. لم تتخذها وسيلة للرزق، بل جعلت منها فعلًا إنسانيًا مليئًا بالمحبة. كانت تصنع الملابس الصوفية بعناية لتقدمها هدايا للمواليد الجدد من قريباتها، وهدايا لصديقاتها، معتبرة أن هذه القطع تحمل قيمة معنوية تفوق أي هدية جاهزة.
كانت مريم ترى في كل قطعة تحيكها رسالة فرح واهتمام، وتؤمن بأن الملابس المصنوعة يدويًا تحمل دفئًا خاصًا لا تمنحه الأشياء الجاهزة. ومع كل مولود جديد، كانت تعيد إحياء تلك الذكريات الأولى مع والدتها، وكأن الخيوط تجمع بين جيلين، وتنقل الحكاية من يد إلى يد.
هكذا تحولت حياكة الصوف في حياة مريم فارس من مهارة تعلمتها في طفولتها إلى لغة حب تعبّر بها عن مشاركتها الآخرين لحظات الفرح، محافظة على إرث عائلي بسيط، لكنه عميق المعنى.
وتكشف هذه الحكايات أن الدفء في غزة لا تصنعه الملابس وحدها، بل تصنعه القلوب الصابرة والإرادة التي لا تنكسر. ورغم الحرب وقسوة الواقع، يظل الإنسان قادرًا على تحويل الألم إلى عطاء، وصناعة الأمل من أبسط الأشياء.




الرد على تعليق