إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

حين يُستبدل الغياب النقابي بالحضور الإعلامي تحت واجهة العلم


عمان جو-لم يكن الغياب النقابي حادثة عابرة يمكن تفسيرها بضيق الوقت أو تبدّل الأولويات. كان انسحابًا في لحظة كانت تحتاج إلى حضور، وصمتًا في وقت كان يفترض فيه الوضوح. وحين تغيب المسؤولية عن ساحتها الطبيعية، فإن أي عودة لاحقة تُقاس بمعيارين لا ثالث لهما: أين تتم؟ ولصالح من تُستثمر؟

العودة لم تكن إلى أروقة النقابة، ولا إلى طاولة الحوار المهني، ولا عبر مبادرات علمية جادة تعيد الاعتبار للعمل المؤسسي. بل جاءت عبر تفعيل أذرع معروفة الارتباط بخطاب سياسي، لتبدأ ببث محاضرات تُقدَّم بواجهة رسمية، بينما يُستخدم الموقع الوظيفي لإضفاء شرعية شكلية على مضمون ذي بعد غير مهني، يُدار غالبًا عبر دوائر فكرية أو تنظيمية متقاربة.

هنا لا نتحدث عن حق في التعبير، ولا عن حرية فكرية مشروعة. الإشكالية أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام خلط ممنهج بين الوظيفة العامة والانتماء السياسي أو الفكري، بين التكليف المؤسسي والمصلحة غير المهنية، وبين المنبر الرسمي وأجندة لا تنتمي إلى حياد المؤسسة التي يفترض أن تمثل الجميع دون اصطفاف.

الموقع الرسمي ليس رصيدًا شخصيًا يُستخدم متى شاء صاحبه، ولا جسرًا يُمدّ لمنبر سياسي حين تضيق به المساحات. هو مسؤولية محددة بسقف واضح، وحياد واجب، وحدود لا يجوز تجاوزها. وعندما تتحول البرامج التي تُقدم تحت عناوين علمية إلى منصات لإعادة إنتاج خطاب سياسي أو فكري، فإن المؤسسة نفسها تُزجّ في معارك لم تخترها، ويُستبدل معيار الكفاءة العلمية بمعيار النفوذ الرمزي.

والأخطر أن هذا الحضور الإعلامي الصاخب لا يقابله أي نشاط علمي حقيقي يُعتدّ به. فلا برامج بحثية رصينة ذات أثر واضح، ولا أوراق علمية مؤثرة، ولا مشاريع تطوير مهني مستدامة تترك بصمة حقيقية في تطوير الممارسة أو التدريب. مجرد محاضرات متكررة تُعاد صياغتها وتُضخّمها منصات محسوبة، بينما يبقى الإنتاج المعرفي الحقيقي محدود الأثر. فالنشاط العلمي لا يُقاس بعدد البثوث، بل بجودة الإنتاج المعرفي، والالتزام بالمنهجية، ووجود أثر قابل للقياس على مستوى المعرفة والممارسة المهنية.

أما حين يُستبدل العمل المؤسسي الحقيقي بحضور إعلامي عبر منصات ذات طابع اصطفافي، فإن ذلك يفتح باب التساؤل حول ترتيب الأولويات بين الخدمة المهنية العامة وبناء النفوذ الرمزي. فالموقع القيادي ليس مساحة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي أو توسيع دائرة الولاءات، بل مسؤولية مهنية تفرضها معايير الحوكمة والشفافية والمساءلة داخل المؤسسات العامة.

إن الإشكالية لا تكمن في ممارسة النشاط العلمي أو الإعلامي بحد ذاته، بل في استخدام العنوان المهني كغطاء يمنح شرعية رمزية لمحتوى قد لا يرتكز إلى إنتاج معرفي موثق أو أثر تطويري ملموس. فالقيمة الحقيقية للبرامج العلمية لا تُقاس بعنوانها أو بدرجة انتشارها الإعلامي، بل باستقلاليتها المنهجية وقدرتها على تطوير المعرفة والممارسة المهنية.

لذلك تبقى الأسئلة المؤسسية مشروعة:
• لماذا كان الغياب عن الساحة النقابية في لحظة المواجهة؟
• ولماذا جاء الحضور عبر قنوات ذات بعد سياسي أو فكري بدل القنوات المهنية المباشرة؟
• وكيف يمكن تبرير استخدام الموقع الرسمي لتمرير خطاب لا يندرج ضمن الاختصاص المهني الصرف؟
• وأين هو الإنجاز العلمي القابل للقياس الذي يمنح هذا الظهور مشروعية مهنية؟

إن المؤسسات تُبنى على الحياد والانضباط والشفافية. وإذا فُتحت أبوابها للاصطفاف السياسي عبر نفوذ فردي أو رمزي، فإنها تفقد تدريجيًا صفتها الجامعة، وتتحول إلى جزء من صراع لا علاقة له برسالتها الأساسية.

فالمنصب تكليف.
والمنبر أمانة.
والعلم مسؤولية.

وأي عبث بهذه الثلاثية… ليس اجتهادًا، بل اختطافاً




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :