إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

العنف الجنسي سلاح المستوطنين في الضفة لتهجير الفلسطينيين


عمان جو - وثّق “ائتلاف حماية الضفة الغربية” استخدام المستوطنين العنف الجنسي أداةً لتهجير العائلات الفلسطينية، في ظل تواطؤ من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات يرتكبها جنوده.

وقالت أليغرا باتشيكو، مديرة “ائتلاف حماية الضفة الغربية”، لـ”القدس العربي”، إن ممارسات المستوطنين وما تفضي إليه “قد ترقى إلى النقل القسري أو التهجير القسري”، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك والمحاسبة.

ويتناول التقرير، الذي حمل عنوان “العنف الجنسي والنقل القسري في الضفة الغربية”، استغلال الديناميات الجندرية بدافع التهجير، بوصفه نمطاً من العنف ذي الطابع الجنسي “يُستخدم ضمن بيئة قسرية أوسع تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم ومساكنهم”، مؤكداً أن هذا العنف “لا يحدث في عزلة”، بل “يعمل ضمن بيئة قسرية تساهم في النقل القسري للمجتمعات الفلسطينية”.

ويستند التقرير إلى مقابلات معمقة مع 83 شخصاً، بينهم 44 امرأة و39 رجلاً، وإلى 12 نقاشاً جماعياً في 10 تجمعات فلسطينية في الأغوار وجنوب الخليل ووسط الضفة، ويوثق “ما لا يقل عن 16 حالة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع” نُسبت إلى مستوطنين وجنود إسرائيليين، مع تأكيده أن هذه الحالات ليست سوى جزء من نمط أوسع من “التحرش والتخويف والإذلال ذي الطابع الجنسي” الذي “يبقى كثير منه من دون إبلاغ”.

ويشير التقرير إلى أن العنف الجنسي لا يُقرأ بوصفه انتهاكاً منفصلاً فحسب، بل باعتباره وسيلة ضغط مباشرة في قرار البقاء أو الرحيل. ويشير إلى أن “أكثر من 70 في المئة من الأسر النازحة حددت التهديدات ضد النساء والأطفال، ولا سيما العنف ذي الطابع الجنسي، بوصفها السبب الحاسم للمغادرة”، فيما أظهرت البيانات أن “84 في المئة من الحالات تأثرت بعنف المستوطنين” إلى جانب الشعور بانعدام الأمن، والقيود على الحركة، وفقدان الوصول إلى الماء والكهرباء.

ومن أبرز ما يسجله التقرير انتقال الاعتداءات من المجال العام إلى الخاص، إذ يشير إلى أن العنف والتخويف “يخترقان الحيز المنزلي”، بما يشمل “المنازل وغرف النوم والأفنية المحيطة بالمساكن”. ويعد هذا التحول، بحسب التقرير، “انتهاكاً عميقاً للكرامة والسلامة والحياة الأسرية”. ويوثق أشكالاً متعددة من هذا العنف، منها “التهديد بالاغتصاب، والتعري القسري، والتحرش، والإشارات الجنسية، والمراقبة داخل المساحات الحميمة”.

النساء والأطفال

كما يشير التقرير إلى أن النساء والأطفال باتوا في صلب الاستهداف، بينما يتعرض الرجال والفتيان أيضاً لـ”الإذلال الجنسي والمعاملة المهينة والتهديدات”. ويؤكد أن هذه الممارسات “تزعزع استقرار الأسرة وتفكك قدرتها الداخلية على التكيف واتخاذ القرار”. ويضع التقرير هذه الانتهاكات ضمن سياق “الإفلات المستمر من العقاب”، مشيراً إلى أن حوادث كثيرة تقع “في وجود القوات الإسرائيلية من دون تدخل أو تحقيق فعال”. ويرى أن هذا النمط ينسجم مع “مؤشرات التحذير المبكر لجرائم الفظائع” كما حددها إطار الأمم المتحدة.

ويرصد التقرير أيضاً لجوء الأسر إلى استراتيجيات قسرية للحماية، مثل “النقل الجزئي للنساء والأطفال” أو “الزواج المبكر” للفتيات. ويوثق “ست حالات على الأقل” جرى فيها تزويج فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عاماً بدافع إخراجهن من بيئة الخطر.

أما بعد النزوح، فيسجل التقرير آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية، إذ أفادت “90 في المئة من النساء” بزيادة الضغط النفسي والصدمة، بينما لاحظ “63 في المئة من المشاركين” ارتفاع الخوف والقلق لدى الأطفال، وفقدت “87 في المئة من النساء” جميع مصادر دخلهن.

ويخلص التقرير إلى أن هذه الظروف قد ترقى إلى “النقل القسري” بموجب القانون الدولي، موضحاً أن هذا المفهوم “لا يتطلب قوة مادية مباشرة”، بل يتحقق عندما “تترك الظروف القسرية المدنيين بلا خيار حقيقي سوى الفرار”.

وفي حوار مع “القدس العربي”، قالت باتشيكو، مديرة “ائتلاف حماية الضفة الغربية”، إن التقرير يوثق “العنف ذي الطابع الجنسي الذي يرتكبه مستوطنون إسرائيليون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية”. وأوضحت أن “هذا العنف لا يقع بصورة معزولة، بل يندرج ضمن ظاهرة أوسع هي عنف المستوطنين، كما يشكل جزءاً من البيئة القسرية الأوسع التي يعيش الفلسطينيون في ظلها تحت الاحتلال الإسرائيلي”.

وأضافت أن “المقصود بالبيئة القسرية هو مجمل العوامل التي تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة تجمعاتهم، سواء ما يتعلق بحرية الحركة والوصول، أو هدم المنازل، أو شح المياه والكهرباء، أو العمليات العسكرية”.

وقالت إن “84 في المئة ممن شملتهم المقابلات أكدوا أن عنف المستوطنين كان العامل الرئيسي في إجبارهم على ترك أراضيهم”. ولفتت إلى أن “غياب الأمن والاستقرار، إلى جانب الإذلال وكل ما يرتبط بالعنف ذي الطابع الجنسي، يشكل العامل الحاسم ونقطة التحول التي تدفع الناس إلى الرحيل”.

وأكدت أن “الأمر لا يتعلق بحوادث فردية معزولة من التعري أو الإذلال أو التهديد بالاغتصاب، بل بهجمات ينفذها المستوطنون بشكل يومي في الضفة الغربية”، مشيرة إلى أن “وتيرة هذه الهجمات بلغت في الأسابيع الأخيرة ما يقارب عشر هجمات يومياً في بعض الفترات”. وأضافت أن “هذا العنف لا يقتصر على الاعتداءات ذات الطابع الجنسي، بل يشمل أيضاً الحرق المتعمد، وتخريب الممتلكات، والاعتداء الجسدي، وإطلاق النار، والقتل، وهي كلها انتهاكات بالغة الخطورة”.

الصمت

وشددت باتشيكو على أن “العنف الجنسي أو العنف ذو الطابع الجنسي لم يحظ بالاهتمام الكافي”، مضيفة أن “من السهل فهم أسباب ضعف الإبلاغ عنه، نظراً إلى الصعوبة البالغة التي يواجهها الرجال والنساء على السواء في الحديث عن هذه الانتهاكات”. وقالت إن “آلية التحقيق الإسرائيلية تكاد تكون معطلة وغير فاعلة، وإن الخوف من الانتقام يزيد من صعوبة التبليغ”.

وفي حديثها عن التداخل بين أدوار المستوطنين والجيش، أوضحت أن “الجيش يحضر أحياناً إلى المكان عندما ينفذ المستوطنون اعتداءاتهم، لكنه في الغالب لا يتدخل مباشرة لوقف العنف”.

وأضافت أن “بعض المستوطنين يظهرون أحياناً بزي عسكري، بحيث لا يكون واضحاً إن كانوا جنوداً أم مجرد مستوطنين يرتدون زي الاحتياط”.

وقالت إن “هذا الأمر يخلق قدراً من الالتباس بشأن ما إذا كان من يمارس العنف جنوداً أم مستوطنين متنكرين بزي عسكري”، غير أنها أشارت أيضاً إلى وجود حالات “كان فيها الجنود حاضرين بصفتهم العسكرية ولم يتدخلوا، رغم أن دورهم، بموجب القانون الدولي بوصفهم سلطة احتلال، هو حماية السكان”.

خيار الدفاع عن النفس الغائب

وأضافت أن “هذه هي المهمة الأساسية لأي قوة احتلال عسكرية، لأنه لا توجد جهة أخرى تحمي الفلسطينيين في تلك المناطق، فالسلطة الفلسطينية لا تستطيع الوصول إليها، والمجتمع الدولي ليس موجوداً هناك، والدفاع عن النفس ليس خياراً متاحاً للفلسطينيين”.

وتابعت “إذا دخل مستوطن إلى منزل فلسطيني، وهذا ما يتكرر ضمن نمط اقتحام الحيز المنزلي بهدف بث الرعب في التجمعات، ثم قام رب الأسرة الفلسطينية بإبعاده، فقد يُعتقل الفلسطيني بتهمة الاعتداء على المستوطن، وقد يتعرض لإطلاق النار أو القتل”، مؤكدة أن “كل ذلك حدث بالفعل”.

وقالت إن “الدفاع عن النفس ليس خياراً واقعياً، ولهذا فإن مطلبنا، على غرابته الظاهرة، هو أن يقوم الجيش الإسرائيلي بحماية هذه التجمعات”.

وأضافت أن “الشرطة الإسرائيلية موجودة أيضاً، لكن دورها يظل إشكالياً لأن هذه أراض محتلة، وهو ما يجعل الجيش، من حيث الأصل، الجهة المفترض أن تتولى المسؤولية”. غير أن “وجود مستوطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهو وجود يخالف القانون الدولي، يدفع الشرطة الإسرائيلية إلى التدخل بحكم تعاملها مع مدنيين إسرائيليين، لكنها نادراً ما تتدخل لوقف هؤلاء المستوطنين أو اعتقالهم”.

انتهاكات الجنود

وأضافت أن “93 في المئة من التحقيقات، بحسب ما نقلته عن جماعة إسرائيلية حقوقية، لا تفضي إلى شيء”. واعتبرت أن “ما تكشفه هذه المعطيات هو أن السلطات الإسرائيلية لا تتخذ أي خطوات فعلية للمحاسبة، وتسمح للإفلات من العقاب بأن يسود في الضفة الغربية”، الأمر الذي “يشجع المستوطنين على مواصلة العنف”.

وفي ما يتعلق بأمثلة الانتهاكات، قالت باتشيكو إن “هناك حالة أُجبرت فيها امرأة على التجرد من ملابسها بالكامل على يد جندية إسرائيلية، وعوملت بطريقة مهينة للغاية”.

وأضافت أن “النمط الذي يتحدث عنه التقرير يتمثل أساساً في اقتحام الحيز المنزلي”، مشيرة إلى أن “هذا النوع من الاعتداءات ازداد بصورة كبيرة منذ حرب غزة، إذ كانت الهجمات في السابق تقع غالباً على الأطراف وتأتي في سياق أعمال انتقامية، بينما باتت تجري اليوم داخل التجمعات السكانية وداخل البيوت نفسها”.

ونقلت شهادات تحدثت فيها نساء عن “محاولات مستوطنين اقتلاع القضبان من نوافذ غرف النوم، بينما كانت النساء متكدسات مع أطفالهن في الداخل وهن في حالة خوف شديد”.

وأضافت أن “الحديث هنا لا يدور عن منازل حديثة كبيرة ومحصنة، بل في الغالب عن مساكن متواضعة في تجمعات بدوية ورعوية”. وأشارت إلى أن “أنماط العنف الأخرى ذات الطابع الجنسي تشمل اللمس غير المرغوب فيه، والتعري، والتهديد بالاغتصاب والعنف، واقتحام الأفنية، وهي أيضاً جزء من الحيز المنزلي، إلى جانب الإذلال ذي الطابع الجنسي الموجه ضد الرجال”.

وتابعت أن “هذه الممارسات تطال الرجال والنساء معاً، وأن الظاهرة في تصاعد مستمر، وفي ظل غياب أي حماية للفلسطينيين، لا يبقى أمامهم في كثير من الأحيان سوى الرحيل”. ورأت أن “هذا قد يرقى إلى النقل القسري أو التهجير القسري، وهو، بموجب قانون الاحتلال، انتهاك جسيم يجب التحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه”.

المجتمع الدولي الغائب

وفي ما يتعلق بما يجب أن يفعله المجتمع الدولي، قالت باتشيكو إن “التقرير يدعو إلى تجاوز حدود البيانات والتصريحات، لأن المطلوب هو اتخاذ إجراءات فعلية”. وأضافت “هذا ليس مجرد مطلب سياسي من جانبنا، بل هو التزام قانوني دولي يقع على عاتق الدول، سواء في ضوء سياساتها الخارجية والتزاماتها التعاهدية، أو بموجب القانون الدولي”. وأشارت إلى أن “محكمة العدل الدولية أوضحت مراراً طبيعة هذه الالتزامات في الأراضي المحتلة”.

وتطرقت أيضاً إلى مسألة العقوبات التي فُرضت على بعض المستوطنين، موضحة أن “المشكلة لا تكمن فقط في أن العنف استمر رغمها، بل في أن إسرائيل لم تُخرج أياً من هؤلاء المعاقَبين من مواقعهم”. وقالت إن “ما يحدث فعلياً هو أن المستوطنين العنيفين، أو المشتبه بارتكابهم جرائم، ما زالوا موجودين في مسرح الجريمة”.

وشبّهت ذلك بقولها إن “سارق بنك يبقى داخل البنك ويواصل السرقة”، مؤكدة أنه “لم يُتخذ أي إجراء لإبعاد المشتبه بهم، في حين أن أي نظام قانوني عادي كان سيفرض إبعاد المتهمين عن موقع الجريمة، سواء أوقفوا أم أُفرج عنهم بكفالة”.

وقالت إن “إحدى القضايا الأساسية التي يجب أن يمارس المجتمع الدولي نفوذه بشأنها هي مطالبة إسرائيل بإبعاد هؤلاء الأشخاص من تلك المناطق، وإغلاق البؤر الاستيطانية التي تُستخدم للتخطيط للاعتداءات والانطلاق منها نحو التجمعات الفلسطينية”، مشيرة إلى أن “هذه البؤر أصبحت اليوم ملاصقة للتجمعات نفسها”.

ورأت أن “فرض هذه الخطوة سيكون بداية أولى مهمة، وإن كانت غير كافية وحدها، لكنها تبقى خطوة حاسمة لا بد منها”.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :