فِلَسْطِينُ… فِي فَلْسَفَةِ الحَقِّ وَاغْتِرَابِ العَالَمِ
عمان جو- بقلم: زيد أبو زيد
لَيْسَتْ فِلَسْطِينُ قَضِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ سُؤَالٌ وُجُودِيٌّ كَبِيرٌ؛ سُؤَالٌ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ وَالخَرَائِطَ، لِيَسْتَقِرَّ فِي صَمِيمِ المَعْنَى الإِنْسَانِيِّ نَفْسِهِ: مَا العَدَالَةُ؟ وَمَتَى يَكُونُ الحَقُّ حَقًّا إِذَا لَمْ يُنْصَرْ؟
فِي فِلَسْطِينُ، لَا يَجْرِي الصِّرَاعُ عَلَى الأَرْضِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى الرِّوَايَةِ، عَلَى التَّعْرِيفِ، عَلَى الحَقِيقَةِ نَفْسِهَا؛ هُنَا، تَتَصَادَمُ اللُّغَةُ مَعَ الوَاقِعِ، وَتَتَعَارَضُ القِيَمُ مَعَ المَصَالِحِ، وَيَنْقَسِمُ العَالَمُ بَيْنَ مَا يَعْلَمُهُ… وَمَا يَخْتَارُ أَنْ يَتَجَاهَلَهُ.
مُنْذُ النكبة، لَمْ تَكُنِ الحِكَايَةُ مُجَرَّدَ تَهْجِيرٍ لِشَعْبٍ، بَلْ كَانَتْ تَأْسِيسًا لِمُفَارَقَةٍ كُبْرَى فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ: أَنْ يُعْرَفَ الحَقُّ… وَلَا يُطَبَّقَ، وَأَنْ تُقَرَّ العَدَالَةُ… وَلَا تُنْفَّذَ.
وَمِنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، وَفِلَسْطِينُ لَا تَغِيبُ، بَلْ تُغَيَّبُ؛ تَحْضُرُ كُلَّمَا احْتَاجَهَا الخِطَابُ، وَتَغِيبُ كُلَّمَا طُلِبَ الفِعْلُ.
فِي عَالَمٍ يَعِيشُ فَوْضَى الأَوْلَوِيَّاتِ، لَمْ تَعُدِ القَضَايَا تُقَاسُ بِعَدَالَتِهَا، بَلْ بِحَجْمِ تَأْثِيرِهَا عَلَى مَوَازِينِ القُوَّةِ. هُنَا، تَتَرَاجَعُ فِلَسْطِينُ فِي سُلَّمِ الاِهْتِمَامِ كُلَّمَا تَقَدَّمَتْ أَزْمَةٌ جَدِيدَةٌ.
فَمَرَّةً تَتَصَدَّرُ حُرُوبُ روسيا وَأوكرانيا المَشْهَدَ، وَمَرَّةً تَتَصَاعَدُ مِلَفَّاتُ إيران وَتَوَتُّرَاتُهَا، وَمَرَّةً يَسْتَعِرُ المَشْهَدُ فِي السودان، أَوْ يَتَشَظَّى فِي ليبيا، أَوْ يَتَعَقَّدُ فِي العراق، أَوْ يَتَحَوَّلُ إِلَى عُنْوَانٍ جِيوسيَاسِيٍّ فِي مَضَائِقِ مضيق هرمز وَباب المندب…
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، لَا تَخْتَفِي فِلَسْطِينُ، بَلْ يُدْفَعُ بِهَا إِلَى الهَامِشِ، كَأَنَّهَا قَضِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْجِيلِ، أَوْ حَقٌّ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَظِرَ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ الفَلْسَفِيَّةُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْحَقِّ أَنْ يَنْتَظِرَ، وَهُوَ بِطَبِيعَتِهِ يَرْفُضُ التَّأْجِيلَ؟
لَيْسَتِ الأَزْمَةُ فِي غِيَابِ الحُلُولِ، فَالحُلُولُ مَعْرُوفَةٌ، وَالقَرَارَاتُ مَوْجُودَةٌ، وَمُقَرَّاتُ الأمم المتحدة تَحْفَظُ أَرْشِيفًا طَوِيلًا مِنَ الإِجْمَاعَاتِ النَّظَرِيَّةِ… وَلَكِنَّ الأَزْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي غِيَابِ الإِرَادَةِ، أَوْ لِنَقُلْ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ: فِي حُضُورِ المَصَالِحِ عَلَى حِسَابِ القِيَمِ.
فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ السِّيَاسَةُ إِلَى فَنِّ إِدَارَةِ التَّنَاقُضِ، لَا إِلَى سَعْيٍ لِحَلِّهِ؛ وَتُصْبِحُ فِلَسْطِينُ لَيْسَتْ مَحَلَّ حَلٍّ، بَلْ مَوْضُوعَ إِدَارَةٍ مُسْتَدِيمَةٍ.
وَهُنَا يَتَحَوَّلُ الظُّلْمُ مِنْ حَالَةٍ طَارِئَةٍ إِلَى بِنْيَةٍ دَائِمَةٍ، وَيَتَحَوَّلُ الاِعْتِيَادُ عَلَى الظُّلْمِ إِلَى أَخْطَرِ أَشْكَالِ القَبُولِ بِهِ.
أَمَّا القدس، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ، بَلْ هِيَ مِحْوَرُ المَعْنَى، وَقَلْبُ الرِّوَايَةِ، وَنُقْطَةُ التَّقَاطُعِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالعَقِيدَةِ وَالسِّيَاسَةِ.
فِي القُدْسِ، يَتَجَسَّدُ الصِّرَاعُ فِي أَنْقَى صُوَرِهِ: بَيْنَ مَنْ يَمْلِكُ القُوَّةَ، وَمَنْ يَمْلِكُ الحَقَّ… وَبَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ التَّارِيخَ، وَمَنْ يَعِيشُهُ.
وَفِي زَمَنٍ تَتَشَابَكُ فِيهِ المَصَالِحُ بَيْنَ الولايات المتحدة الأمريكية وَخُصُومِهَا، وَتَتَصَاعَدُ فِيهِ التَّوَتُّرَاتُ مَعَ إيران، تَتَّضِحُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى: أَنَّ فِلَسْطِينُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، لَيْسَتْ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي الحِسَابَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، بَلْ وَرَقَةٌ ضِمْنَ مِلَفَّاتٍ أَكْبَرَ.
وَفِي سِيَاقٍ لَا يَقِلُّ قَسْوَةً، تَبْرُزُ حَقِيقَةٌ مُرَّةٌ: إِنَّ القَضِيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ قَدْ اسْتُخْدِمَتْ، فِي مَحَطَّاتٍ كَثِيرَةٍ، كَوَرَقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَتَدَاوَلُهَا أَنْظِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَغَيْرُ عَرَبِيَّةٍ؛ رَفَعَتْهَا شِعَارًا حِينَ خَدَمَتْهَا، وَخَفَّضَتْهَا حِينَ تَعَارَضَتْ مَعَ مَصَالِحِهَا. وَقَدْ بَدَا لِبُرْهَةٍ أَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ الحِسَابَاتِ، لَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ أُعِيدَ تَوْظِيفُهَا بِصُوَرٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، تَحْتَ ذَرَائِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، ضِمْنَ صِرَاعَاتِ النُّفُوذِ، لَا فِي سِيَاقِ نُصْرَةِ الحَقِّ. وَهُنَا تَتَكَرَّسُ قَاعِدَةٌ صَارِخَةٌ: أَنَّ المَصَالِحَ—لَا القِيَمَ—هِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ كَثِيرًا مِنَ السِّيَاسَاتِ، وَأَنَّ النَّزَعَاتِ الطَّائِفِيَّةَ وَالعَقَدِيَّةَ أَصْبَحَتْ، فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ، أَدَوَاتٍ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ المَشْهَدِ، بَلْ وَلِتَشْغِيلِ التَّنْظِيمَاتِ ضِمْنَ مَعَادَلَاتِ الضَّغْطِ وَالصِّرَاعِ. وَبَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ، يُتْرَكُ الشَّعْبُ الفِلَسْطِينِيُّ فِي مِحْنَتِهِ الوُجُودِيَّةِ: يُوَاجِهُ قَهْرًا وَظُلْمًا، وَيَتَعَرَّضُ لِأَبْشَعِ أَشْكَالِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ، وَلِقَتْلٍ مَنْهَجِيٍّ، وَلِاسْتِهْدَافٍ لِمَنَابِعِ العِلْمِ وَالوَعْيِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَوْقِعِ الفِعْلِ إِلَى مَوْقِعِ الحَدَثِ.
وَهُنَا، تَقِفُ الذَّاكِرَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِأَبْنَاءِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ كَمِيزَانٍ لَا يَخْطِئُ؛ فَهِيَ سَتَحْكُمُ—بِلَا رَيْبٍ—عَلَى الأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدُّوَلِ فِي العَالَمِ، مِنْ مَنْطَلَقِ دَعْمِهَا أَوْ تَخَلِّيهَا عَنْ دَوْرِهَا تُجَاهَ هَذِهِ القَضِيَّةِ العَادِلَةِ. وَإِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَعَاطَفَ مَعَ أَيِّ نِظَامٍ يَتَخَلَّى عَنْ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، الَّذِي يَحِقُّ لَهُ—بِمُوجِبِ التَّشْرِيعَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، وَبِمُوجِبِ نِضَالٍ يَمْتَدُّ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ عُقُودٍ—أَنْ يَنْعَمَ بِدَوْلَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، عَاصِمَتُهَا القُدْسُ، وَأَنْ تَعُودَ الحُرِّيَّةُ حَقًّا مَعِيشًا لِهَذَا الشَّعْبِ… فَقَدْ كَفَى ظُلْمًا.
إِنَّ فِلَسْطِينُ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ فَقَطْ قَضِيَّةَ شَعْبٍ، بَلْ هِيَ اِخْتِبَارٌ لِمَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الحَقُّ قِيمَةً مُطْلَقَةً، أَوْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ نِسْبِيَّةٍ.
وَفِي هَذَا الاِخْتِبَارِ، لَا يُمْكِنُ لِلْعَالَمِ أَنْ يَبْقَى مُحَايِدًا؛ فَالصَّمْتُ لَيْسَ حِيَادًا… بَلْ مَوْقِفٌ آخَرُ.
فَفِلَسْطِينُ لَيْسَتْ فَقَطْ أَرْضًا تُحْتَلُّ… بَلْ حَقِيقَةٌ تُؤَجَّلُ، وَكُلَّمَا طَالَ تَأْجِيلُهَا، ازْدَادَ العَالَمُ اغْتِرَابًا عَنْ نَفْسِهِ.
لَيْسَتْ فِلَسْطِينُ قَضِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ سُؤَالٌ وُجُودِيٌّ كَبِيرٌ؛ سُؤَالٌ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ وَالخَرَائِطَ، لِيَسْتَقِرَّ فِي صَمِيمِ المَعْنَى الإِنْسَانِيِّ نَفْسِهِ: مَا العَدَالَةُ؟ وَمَتَى يَكُونُ الحَقُّ حَقًّا إِذَا لَمْ يُنْصَرْ؟
فِي فِلَسْطِينُ، لَا يَجْرِي الصِّرَاعُ عَلَى الأَرْضِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى الرِّوَايَةِ، عَلَى التَّعْرِيفِ، عَلَى الحَقِيقَةِ نَفْسِهَا؛ هُنَا، تَتَصَادَمُ اللُّغَةُ مَعَ الوَاقِعِ، وَتَتَعَارَضُ القِيَمُ مَعَ المَصَالِحِ، وَيَنْقَسِمُ العَالَمُ بَيْنَ مَا يَعْلَمُهُ… وَمَا يَخْتَارُ أَنْ يَتَجَاهَلَهُ.
مُنْذُ النكبة، لَمْ تَكُنِ الحِكَايَةُ مُجَرَّدَ تَهْجِيرٍ لِشَعْبٍ، بَلْ كَانَتْ تَأْسِيسًا لِمُفَارَقَةٍ كُبْرَى فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ: أَنْ يُعْرَفَ الحَقُّ… وَلَا يُطَبَّقَ، وَأَنْ تُقَرَّ العَدَالَةُ… وَلَا تُنْفَّذَ.
وَمِنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، وَفِلَسْطِينُ لَا تَغِيبُ، بَلْ تُغَيَّبُ؛ تَحْضُرُ كُلَّمَا احْتَاجَهَا الخِطَابُ، وَتَغِيبُ كُلَّمَا طُلِبَ الفِعْلُ.
فِي عَالَمٍ يَعِيشُ فَوْضَى الأَوْلَوِيَّاتِ، لَمْ تَعُدِ القَضَايَا تُقَاسُ بِعَدَالَتِهَا، بَلْ بِحَجْمِ تَأْثِيرِهَا عَلَى مَوَازِينِ القُوَّةِ. هُنَا، تَتَرَاجَعُ فِلَسْطِينُ فِي سُلَّمِ الاِهْتِمَامِ كُلَّمَا تَقَدَّمَتْ أَزْمَةٌ جَدِيدَةٌ.
فَمَرَّةً تَتَصَدَّرُ حُرُوبُ روسيا وَأوكرانيا المَشْهَدَ، وَمَرَّةً تَتَصَاعَدُ مِلَفَّاتُ إيران وَتَوَتُّرَاتُهَا، وَمَرَّةً يَسْتَعِرُ المَشْهَدُ فِي السودان، أَوْ يَتَشَظَّى فِي ليبيا، أَوْ يَتَعَقَّدُ فِي العراق، أَوْ يَتَحَوَّلُ إِلَى عُنْوَانٍ جِيوسيَاسِيٍّ فِي مَضَائِقِ مضيق هرمز وَباب المندب…
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، لَا تَخْتَفِي فِلَسْطِينُ، بَلْ يُدْفَعُ بِهَا إِلَى الهَامِشِ، كَأَنَّهَا قَضِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْجِيلِ، أَوْ حَقٌّ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَظِرَ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ الفَلْسَفِيَّةُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْحَقِّ أَنْ يَنْتَظِرَ، وَهُوَ بِطَبِيعَتِهِ يَرْفُضُ التَّأْجِيلَ؟
لَيْسَتِ الأَزْمَةُ فِي غِيَابِ الحُلُولِ، فَالحُلُولُ مَعْرُوفَةٌ، وَالقَرَارَاتُ مَوْجُودَةٌ، وَمُقَرَّاتُ الأمم المتحدة تَحْفَظُ أَرْشِيفًا طَوِيلًا مِنَ الإِجْمَاعَاتِ النَّظَرِيَّةِ… وَلَكِنَّ الأَزْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي غِيَابِ الإِرَادَةِ، أَوْ لِنَقُلْ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ: فِي حُضُورِ المَصَالِحِ عَلَى حِسَابِ القِيَمِ.
فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ السِّيَاسَةُ إِلَى فَنِّ إِدَارَةِ التَّنَاقُضِ، لَا إِلَى سَعْيٍ لِحَلِّهِ؛ وَتُصْبِحُ فِلَسْطِينُ لَيْسَتْ مَحَلَّ حَلٍّ، بَلْ مَوْضُوعَ إِدَارَةٍ مُسْتَدِيمَةٍ.
وَهُنَا يَتَحَوَّلُ الظُّلْمُ مِنْ حَالَةٍ طَارِئَةٍ إِلَى بِنْيَةٍ دَائِمَةٍ، وَيَتَحَوَّلُ الاِعْتِيَادُ عَلَى الظُّلْمِ إِلَى أَخْطَرِ أَشْكَالِ القَبُولِ بِهِ.
أَمَّا القدس، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ، بَلْ هِيَ مِحْوَرُ المَعْنَى، وَقَلْبُ الرِّوَايَةِ، وَنُقْطَةُ التَّقَاطُعِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالعَقِيدَةِ وَالسِّيَاسَةِ.
فِي القُدْسِ، يَتَجَسَّدُ الصِّرَاعُ فِي أَنْقَى صُوَرِهِ: بَيْنَ مَنْ يَمْلِكُ القُوَّةَ، وَمَنْ يَمْلِكُ الحَقَّ… وَبَيْنَ مَنْ يَكْتُبُ التَّارِيخَ، وَمَنْ يَعِيشُهُ.
وَفِي زَمَنٍ تَتَشَابَكُ فِيهِ المَصَالِحُ بَيْنَ الولايات المتحدة الأمريكية وَخُصُومِهَا، وَتَتَصَاعَدُ فِيهِ التَّوَتُّرَاتُ مَعَ إيران، تَتَّضِحُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى: أَنَّ فِلَسْطِينُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، لَيْسَتْ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي الحِسَابَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، بَلْ وَرَقَةٌ ضِمْنَ مِلَفَّاتٍ أَكْبَرَ.
وَفِي سِيَاقٍ لَا يَقِلُّ قَسْوَةً، تَبْرُزُ حَقِيقَةٌ مُرَّةٌ: إِنَّ القَضِيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ قَدْ اسْتُخْدِمَتْ، فِي مَحَطَّاتٍ كَثِيرَةٍ، كَوَرَقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَتَدَاوَلُهَا أَنْظِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَغَيْرُ عَرَبِيَّةٍ؛ رَفَعَتْهَا شِعَارًا حِينَ خَدَمَتْهَا، وَخَفَّضَتْهَا حِينَ تَعَارَضَتْ مَعَ مَصَالِحِهَا. وَقَدْ بَدَا لِبُرْهَةٍ أَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ الحِسَابَاتِ، لَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ أُعِيدَ تَوْظِيفُهَا بِصُوَرٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، تَحْتَ ذَرَائِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، ضِمْنَ صِرَاعَاتِ النُّفُوذِ، لَا فِي سِيَاقِ نُصْرَةِ الحَقِّ. وَهُنَا تَتَكَرَّسُ قَاعِدَةٌ صَارِخَةٌ: أَنَّ المَصَالِحَ—لَا القِيَمَ—هِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ كَثِيرًا مِنَ السِّيَاسَاتِ، وَأَنَّ النَّزَعَاتِ الطَّائِفِيَّةَ وَالعَقَدِيَّةَ أَصْبَحَتْ، فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ، أَدَوَاتٍ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ المَشْهَدِ، بَلْ وَلِتَشْغِيلِ التَّنْظِيمَاتِ ضِمْنَ مَعَادَلَاتِ الضَّغْطِ وَالصِّرَاعِ. وَبَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ، يُتْرَكُ الشَّعْبُ الفِلَسْطِينِيُّ فِي مِحْنَتِهِ الوُجُودِيَّةِ: يُوَاجِهُ قَهْرًا وَظُلْمًا، وَيَتَعَرَّضُ لِأَبْشَعِ أَشْكَالِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ، وَلِقَتْلٍ مَنْهَجِيٍّ، وَلِاسْتِهْدَافٍ لِمَنَابِعِ العِلْمِ وَالوَعْيِ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَوْقِعِ الفِعْلِ إِلَى مَوْقِعِ الحَدَثِ.
وَهُنَا، تَقِفُ الذَّاكِرَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِأَبْنَاءِ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ كَمِيزَانٍ لَا يَخْطِئُ؛ فَهِيَ سَتَحْكُمُ—بِلَا رَيْبٍ—عَلَى الأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدُّوَلِ فِي العَالَمِ، مِنْ مَنْطَلَقِ دَعْمِهَا أَوْ تَخَلِّيهَا عَنْ دَوْرِهَا تُجَاهَ هَذِهِ القَضِيَّةِ العَادِلَةِ. وَإِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَعَاطَفَ مَعَ أَيِّ نِظَامٍ يَتَخَلَّى عَنْ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، الَّذِي يَحِقُّ لَهُ—بِمُوجِبِ التَّشْرِيعَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، وَبِمُوجِبِ نِضَالٍ يَمْتَدُّ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ عُقُودٍ—أَنْ يَنْعَمَ بِدَوْلَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، عَاصِمَتُهَا القُدْسُ، وَأَنْ تَعُودَ الحُرِّيَّةُ حَقًّا مَعِيشًا لِهَذَا الشَّعْبِ… فَقَدْ كَفَى ظُلْمًا.
إِنَّ فِلَسْطِينُ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ فَقَطْ قَضِيَّةَ شَعْبٍ، بَلْ هِيَ اِخْتِبَارٌ لِمَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الحَقُّ قِيمَةً مُطْلَقَةً، أَوْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ نِسْبِيَّةٍ.
وَفِي هَذَا الاِخْتِبَارِ، لَا يُمْكِنُ لِلْعَالَمِ أَنْ يَبْقَى مُحَايِدًا؛ فَالصَّمْتُ لَيْسَ حِيَادًا… بَلْ مَوْقِفٌ آخَرُ.
فَفِلَسْطِينُ لَيْسَتْ فَقَطْ أَرْضًا تُحْتَلُّ… بَلْ حَقِيقَةٌ تُؤَجَّلُ، وَكُلَّمَا طَالَ تَأْجِيلُهَا، ازْدَادَ العَالَمُ اغْتِرَابًا عَنْ نَفْسِهِ.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات




الرد على تعليق