إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

فيصل الفايز .. مدرسة في الاتزان السياسي


عمان جو – شادي سمحان

في زمن تتبدل فيه الوجوه سريعًا يبقى فيصل الفايز واحدًا من رجال الدولة الذين صعدوا إلى الصف الأول باستحقاق لا بضجيج اسم ارتبط بالحكمة والاتزان وفهم عميق لطبيعة الدولة الأردنية حتى أصبح حضوره في المشهد العام مرتبطًا بالثقة والخبرة والقدرة على التعامل مع أكثر الملفات حساسية لم يكن مسؤولًا عاديًا مر على المؤسسات بل شخصية سياسية صنعت حضورها بهدوء ورسخت مكانتها بالأداء وبقيت نموذجًا لرجل دولة يعرف كيف تدار المراحل الصعبة وكيف تحمى هيبة الدولة في أصعب الظروف.

ليس غريبًا أن يكون الفايز قريبًا من دوائر صنع القرار فهو ابن بيت سياسي عريق نشأ في كنف والده عاكف الفايز أحد أبرز رجالات الدولة الأردنية في مراحل مفصلية هناك تشكلت شخصيته مبكرًا وتعلم أن السياسة ليست صخبًا بل اتزان وأن الموقع العام تكليف لا امتياز وأن الحكمة غالبًا أكثر أثرًا من الضجيج.

ولد في عمان في الثاني والعشرين من نيسان عام 1952 وتلقى تعليمه المدرسي في كلية الفرير دي لاسال قبل أن يتجه إلى الدراسة الأكاديمية في جامعة كارديف حيث نال درجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1978 ثم تابع دراسته العليا في العلاقات الدولية ببروكسل وبين العلم والعمل كان يعد نفسه لمسار طويل داخل الدولة مسار يقوم على المعرفة والانضباط وفهم العلاقات الدولية.

بدأ حياته المهنية في السلك الدبلوماسي فعين قنصلًا للأردن في بلجيكا ثم تنقل في مواقع متعددة داخل وزارة الخارجية قبل أن ينتقل إلى الديوان الملكي الهاشمي حيث تدرج في مواقع التشريفات الملكية حتى أصبح رئيسًا لها ثم وزيرًا للبلاط الملكي تلك السنوات لم تكن وظيفة بروتوكولية فحسب بل مدرسة سياسية متقدمة علمته كيف تدار الدولة من الداخل وكيف تقرأ الشخصيات وكيف تفهم الرسائل المعلنة والخفية.

حين كلف برئاسة الوزراء عام 2003 كانت المنطقة تمر بأحد أكثر أوقاتها اضطرابًا العراق تحت الاحتلال وفلسطين على صفيح ساخن والإقليم يعيد رسم خرائطه السياسية والأمنية في تلك اللحظة احتاج الأردن إلى شخصية تعرف معنى التوازن وتدرك كيف تدار الأزمات دون انفعال فجاء الفايز بهدوئه المعروف وعقليته التي تفضل الحسابات الدقيقة على ردود الفعل المتسرعة.

خلال رئاسته للحكومة اختار نهج الحوار لا القطيعة وفتح أبواب مكتبه للقوى السياسية والنقابية والحزبية وخصوصًا الحركة الإسلامية مؤمنًا أن الاختلاف داخل الوطن قوة إذا أحسن التعامل معه لم ينتظر خصومه ليأتوا إليه بل كان يذهب أحيانًا إليهم في سلوك نادر لمسؤول كبير أراد أن يرسخ فكرة أن الدولة لا تخشى الحوار.

وفي عهده أنشئت وزارة التنمية السياسية في محاولة لإعطاء الأحزاب دورًا أوسع وإشراك المجتمع السياسي في صناعة القرار كان يعتقد أن الدولة الأقوى هي التي توسع المشاركة لا التي تضيقها وأن المستقبل لا يبنى إلا بشراكة حقيقية بين المؤسسات والمجتمع.

شخصيًا عرف الفايز بهدوئه حين يتطلب الموقف هدوءًا وبحزمه حين تمس القضايا ثوابت الوطن وحقوق الناس لم يكن من هواة الاستعراض الإعلامي لكنه أدرك مبكرًا قيمة الصحافة فحافظ على علاقة احترام مع الإعلاميين وبقي قريبًا من السلطة الرابعة حتى بعد مغادرته المسؤولية التنفيذية.

واليوم وهو يتولى رئاسة مجلس الأعيان الأردني ما زال يسير بذات النهج الذي عرفه الأردنيون عنه باب مفتوح ومكتب لا تغيب عنه حركة المواطنين من يزور مكتبه يرى حشود الناس الذين يقصدونه يوميًا حاملين قضاياهم وهمومهم يعرفون أنهم أمام رجل يصغي قبل أن يتحدث ويتابع قبل أن يعد لم تصنع المناصب بينه وبين الناس حواجز ولم تغير المسؤولية من طبيعته القريبة فبقي يعتبر أن خدمة المواطن جوهر أي موقع عام وأن قيمة المسؤول تقاس بما يقدمه للناس لا بما يحمله من لقب.

ورغم انتمائه لإحدى أكبر العشائر الأردنية لم ير في ذلك تعارضًا مع الدولة المدنية الحديثة بل اعتبره امتدادًا طبيعيًا للنسيج الوطني جمع بين منطق العشيرة ومنطق المؤسسة وبين حضور البادية ومتطلبات العاصمة فبقي قريبًا من الناس يعرف الطريق إلى الأغوار كما يعرفه إلى الكرك والطفيلة ومعان ويعرف هموم الأطراف كما يعرف لغة المركز.

لاحقًا واصل حضوره في الحياة العامة فانتخب رئيسًا لـ مجلس النواب الأردني ثم عاد إلى مجلس الأعيان رئيسًا لعدة دورات إلى جانب ترؤسه مؤسسات وطنية وتنموية وأكاديمية عديدة وهكذا أثبت أن رجال الدولة الحقيقيين لا يرتبط حضورهم بمنصب واحد بل يمتد أثرهم عبر الزمن.

حين يكتب تاريخ الحكومات الأردنية ورجالاتها سيبقى اسم فيصل الفايز حاضرًا بوضوح لا لأنه شغل مواقع كبرى فقط بل لأنه قدم نموذجًا لرجل دولة يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :