حين تضيقُ المضايق… يتّسعُ القلق في صدر العالم
عمان جو-بقلم: زيد أبو زيد
كثيرًا ما ينشغل الإنسان بحدثٍ بعينه، سياسيٍّ كان أو عسكريٍّ أو اقتصادي، لكنه سرعان ما يكتشف أن هذا الحدث ليس إلا بوابةً لقضيةٍ أكبر، وأن ما يطفو على السطح ليس سوى موجةٍ من بحرٍ عميقٍ مضطرب. فالأحداث الكبرى لا تأتي فرادى، بل تصحب معها ظلالًا تمتد، وتفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان، حتى يصبح “العرض” هو “الجوهر”، ويغدو “الهامش” متنًا يفرض نفسه على العالم.
وهذا تمامًا ما شهدناه مع التصاعد الحاد في الأزمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل من جهةٍ أخرى. لم يكن الحدث في جوهره صراعًا تقليديًا، بل تحوّل سريعًا إلى ما يشبه “اختبارًا عالميًا” لشرايين الأرض: المضائق البحرية.
من مضيق هرمز، حيث بدأت الحكاية، لم تعد المسألة مجرد مرور ناقلات نفط، بل أصبحت أشبه بإمساك نبض الاقتصاد العالمي بين أصابع متوترة. هناك، حيث تمر كميات هائلة من النفط والغاز شهريًا، بدا وكأن العالم كله يقف على حافة سؤال واحد: ماذا لو انقطع الشريان؟
وحين لوّحت إيران بإغلاق المضيق، وردّت الولايات المتحدة بما يمكن وصفه بـ”حصار الحصار”، لم يعد المشهد إقليميًا، بل تمدد كالنار في هشيم الاقتصاد العالمي؛ ارتفعت الأسعار، ارتبكت سلاسل التوريد، وقفزت تكاليف التأمين، وكأن العالم يكتشف فجأة هشاشته أمام ممر مائي ضيق.
لكن الأخطر من ذلك، أن الحرب – في مسارها المتدرّج – لم تبقَ حبيسة جغرافيا المضيق، بل تحوّلت من حالة حصارٍ على مضيق هرمز، إلى حصارٍ على الحصار، لتفتح بابًا واسعًا للتساؤل:
هل نحن أمام أزمة مضائق بين إيران والولايات المتحدة؟
أم أمام أزمة حلفاء ووكلاء تتصارع فوق الجغرافيا؟
أم أنها أزمة أموال مجمّدة، ومساجين يحملون جنسيات مزدوجة، ومعارضين خلف القضبان؟
أم أن جوهرها لا يزال كامناً في البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة؟
هنا، تتبدّى المفارقة: كيف تحوّلت “العناوين الفرعية” إلى عناوين كبرى؟ وكيف انتقل مركز الثقل من السبب إلى العرض، ومن الأصل إلى الامتداد؟ بل هل يمكن أن يكون مفتاح الحل كامناً في هذه التفاصيل ذاتها، كما كان البرنامج النووي في مرحلةٍ سابقة مفتاحًا لإشعال الأزمة؟
ثم لم تتوقف القصة عند هرمز.
فجأة، التفتت العيون إلى مضيق باب المندب، حيث التهديدات تتصاعد، وإلى مضيق ملقة، شريان آسيا النابض، وإلى جبل طارق، بوابة المتوسط، ثم إلى قناة السويس، التي يحمل تاريخها ذكرى حربٍ حين أُغلقت، وإلى قناة بنما، حيث تتقاطع المصالح الكبرى.
هنا، لم يعد السؤال: ماذا يحدث في مكانٍ معين؟
بل أصبح: ماذا لو اختنقت هذه الشرايين جميعًا؟
إن هذه المضائق، التي تبدو على الخريطة خطوطًا رفيعة، هي في الحقيقة شرايين قلب العالم؛ إذا تعطلت، لا يصاب الاقتصاد العالمي بوعكةٍ عابرة، بل قد يدخل في أزمة طويلة لا تُشفى سريعًا، حتى لو توقفت الأحداث بعد أيام أو أسابيع. فتعطّل التدفق لا يعني فقط نقصًا لحظيًا، بل خللًا تراكميًا يصعب إصلاحه.
ومن هنا يبرز سؤالٌ يتجاوز السياسة إلى فلسفة إدارة العالم:
هل تملك الدول المطلة على هذه المضائق حق السيطرة الكاملة عليها؟ أم أن دورها يقتصر على الحماية والإدارة؟ وهل يجوز أن تتحول هذه الممرات إلى أدوات ضغط أو ابتزاز أو صراع؟
إن ما يحدث اليوم يفتح الباب واسعًا أمام ضرورة التفكير في إطار دولي جديد، ربما على شكل مدونة عالمية لاستخدام المضائق، تُقر بأن هذه الممرات ليست ملكًا جغرافيًا خالصًا، بل إرثٌ إنساني مشترك، يجب أن تبقى مفتوحة وآمنة، بلا تهديد ولا تعطيل، لأنها ليست مجرد مياه… بل حياة.
لقد علّمتنا الأزمات أن العالم، رغم اتساعه، يمكن أن يُختصر في مضيق، وأن الاقتصاد، رغم ضخامته، يمكن أن يرتجف أمام ممر ضيق، وأن السياسة، رغم تعقيدها، قد تُختبر في نقطة عبور.
فإذا كانت المضائق شرايين الأرض… فهل يكون مفتاح الحل فيها قبل أن يتوقف النبض؟
كثيرًا ما ينشغل الإنسان بحدثٍ بعينه، سياسيٍّ كان أو عسكريٍّ أو اقتصادي، لكنه سرعان ما يكتشف أن هذا الحدث ليس إلا بوابةً لقضيةٍ أكبر، وأن ما يطفو على السطح ليس سوى موجةٍ من بحرٍ عميقٍ مضطرب. فالأحداث الكبرى لا تأتي فرادى، بل تصحب معها ظلالًا تمتد، وتفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان، حتى يصبح “العرض” هو “الجوهر”، ويغدو “الهامش” متنًا يفرض نفسه على العالم.
وهذا تمامًا ما شهدناه مع التصاعد الحاد في الأزمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل من جهةٍ أخرى. لم يكن الحدث في جوهره صراعًا تقليديًا، بل تحوّل سريعًا إلى ما يشبه “اختبارًا عالميًا” لشرايين الأرض: المضائق البحرية.
من مضيق هرمز، حيث بدأت الحكاية، لم تعد المسألة مجرد مرور ناقلات نفط، بل أصبحت أشبه بإمساك نبض الاقتصاد العالمي بين أصابع متوترة. هناك، حيث تمر كميات هائلة من النفط والغاز شهريًا، بدا وكأن العالم كله يقف على حافة سؤال واحد: ماذا لو انقطع الشريان؟
وحين لوّحت إيران بإغلاق المضيق، وردّت الولايات المتحدة بما يمكن وصفه بـ”حصار الحصار”، لم يعد المشهد إقليميًا، بل تمدد كالنار في هشيم الاقتصاد العالمي؛ ارتفعت الأسعار، ارتبكت سلاسل التوريد، وقفزت تكاليف التأمين، وكأن العالم يكتشف فجأة هشاشته أمام ممر مائي ضيق.
لكن الأخطر من ذلك، أن الحرب – في مسارها المتدرّج – لم تبقَ حبيسة جغرافيا المضيق، بل تحوّلت من حالة حصارٍ على مضيق هرمز، إلى حصارٍ على الحصار، لتفتح بابًا واسعًا للتساؤل:
هل نحن أمام أزمة مضائق بين إيران والولايات المتحدة؟
أم أمام أزمة حلفاء ووكلاء تتصارع فوق الجغرافيا؟
أم أنها أزمة أموال مجمّدة، ومساجين يحملون جنسيات مزدوجة، ومعارضين خلف القضبان؟
أم أن جوهرها لا يزال كامناً في البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة؟
هنا، تتبدّى المفارقة: كيف تحوّلت “العناوين الفرعية” إلى عناوين كبرى؟ وكيف انتقل مركز الثقل من السبب إلى العرض، ومن الأصل إلى الامتداد؟ بل هل يمكن أن يكون مفتاح الحل كامناً في هذه التفاصيل ذاتها، كما كان البرنامج النووي في مرحلةٍ سابقة مفتاحًا لإشعال الأزمة؟
ثم لم تتوقف القصة عند هرمز.
فجأة، التفتت العيون إلى مضيق باب المندب، حيث التهديدات تتصاعد، وإلى مضيق ملقة، شريان آسيا النابض، وإلى جبل طارق، بوابة المتوسط، ثم إلى قناة السويس، التي يحمل تاريخها ذكرى حربٍ حين أُغلقت، وإلى قناة بنما، حيث تتقاطع المصالح الكبرى.
هنا، لم يعد السؤال: ماذا يحدث في مكانٍ معين؟
بل أصبح: ماذا لو اختنقت هذه الشرايين جميعًا؟
إن هذه المضائق، التي تبدو على الخريطة خطوطًا رفيعة، هي في الحقيقة شرايين قلب العالم؛ إذا تعطلت، لا يصاب الاقتصاد العالمي بوعكةٍ عابرة، بل قد يدخل في أزمة طويلة لا تُشفى سريعًا، حتى لو توقفت الأحداث بعد أيام أو أسابيع. فتعطّل التدفق لا يعني فقط نقصًا لحظيًا، بل خللًا تراكميًا يصعب إصلاحه.
ومن هنا يبرز سؤالٌ يتجاوز السياسة إلى فلسفة إدارة العالم:
هل تملك الدول المطلة على هذه المضائق حق السيطرة الكاملة عليها؟ أم أن دورها يقتصر على الحماية والإدارة؟ وهل يجوز أن تتحول هذه الممرات إلى أدوات ضغط أو ابتزاز أو صراع؟
إن ما يحدث اليوم يفتح الباب واسعًا أمام ضرورة التفكير في إطار دولي جديد، ربما على شكل مدونة عالمية لاستخدام المضائق، تُقر بأن هذه الممرات ليست ملكًا جغرافيًا خالصًا، بل إرثٌ إنساني مشترك، يجب أن تبقى مفتوحة وآمنة، بلا تهديد ولا تعطيل، لأنها ليست مجرد مياه… بل حياة.
لقد علّمتنا الأزمات أن العالم، رغم اتساعه، يمكن أن يُختصر في مضيق، وأن الاقتصاد، رغم ضخامته، يمكن أن يرتجف أمام ممر ضيق، وأن السياسة، رغم تعقيدها، قد تُختبر في نقطة عبور.
فإذا كانت المضائق شرايين الأرض… فهل يكون مفتاح الحل فيها قبل أن يتوقف النبض؟
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات




الرد على تعليق