أية “عصا سحرية” ستخرج حوار موريتانيا السياسي من غرفة العناية؟
عمان جو - لم يعد الحديث عن الحوار السياسي في موريتانيا مرتبطاً فقط بترتيبات شكلية تجمع السلطة والمعارضة حول طاولة واحدة، بل أصبح متصلاً بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل النظام السياسي نفسه، وحدود قدرته على إنتاج تسويات مقبولة في ظل التحولات الداخلية والإقليمية المتسارعة.
وفي قلب هذا النقاش يبرز ملف التعديلات الدستورية، والمدد الرئاسية، بوصفه “العقدة” الأكثر حساسية، والتي يبدو أنها تعطل حتى الآن انتقال الحوار من مرحلة النيات إلى مرحلة التفاهمات الفعلية.
ومع أن الموريتانيين منشغلون بالأحداث على الحدود مع مالي وبانعكاسات الحرب بين أميركا وإيران، فإن الجميع ينتظر مع ذلك يداً خفية وعصاً سحرية تخرج الحوار من غرفة العناية المركزة.
الأمل ما زال قائماً
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والصحافي والسياسي، حنفي ولد دهاه، أن مسار الحوار لم يصل بعد إلى نقطة الانهيار الكامل، لكنه يعيش حالة جمود حقيقية بسبب غياب الثقة بين المعارضة والسلطة، والخلاف حول القضايا الدستورية الحساسة. ويعتبر أن تجاوز هذه “العقبة” قد يعيد الحوار إلى سكته الطبيعية، خاصة إذا قُدمت ضمانات واضحة ومقنعة للمعارضة بشأن احترام مخرجات أي اتفاق سياسي محتمل.
وكشفت تصريحات ولد دهاه، وهو سياسي بارز وإعلامي مخضرم، عن جوهر الأزمة السياسية في البلاد، وبخاصة تأكيده أن “الخلاف لم يعد مجرد تنافس تقليدي بين أغلبية ومعارضة، بل تحول إلى أزمة ثقة بنيوية، تخشى فيها المعارضة أن يتحول الحوار إلى مجرد أداة لكسب الوقت وإدارة التوازنات، دون وجود التزام سياسي حقيقي بتنفيذ ما قد ينتج عنه من تفاهمات”.
وفي المقابل، تبدو السلطة حذرة من تقديم ضمانات ملزمة قد تحد من هامشها السياسي مستقبلاً، وبسعيها لفتح مغاليق الدستور أمام متطلبات الانتخابات المقبلة، حيث تخلو الساحة السياسية الموريتانية من خليفة للرئيس محمد ولد الغزواني يطمئن له الجيش ويقبله المدنيون.
انقسام المعارضة
غير أن الأزمة لا تتعلق بالسلطة وحدها، فالمعارضة نفسها تبدو منقسمة في رؤيتها للحوار، نتيجة التباين الإيديولوجي وتضارب الحسابات السياسية داخل مكوناتها، وهو ما يفسر حالة الارتباك التي طبعت مواقف بعض القوى المعارضة خلال الأشهر الأخيرة، بين من يدفع نحو تسوية سياسية واسعة، ومن يتخوف من أن يتحول الحوار إلى عملية إعادة تموقع سياسي لا أكثر.
ورغم ذلك، فإن أهمية الحوار تبدو أكبر من مجرد كونه محطة سياسية عابرة، خصوصاً في ظل مؤشرات التوتر الاجتماعي والاقتصادي التي بدأت تتصاعد تدريجياً، وسط مخاوف من عودة الاحتقان إلى الساحة الوطنية.
وحذر ولد دهاه من أن “فشل الحوار قد يدفع المعارضة إلى استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تصعيد المواجهة مع النظام، بعد فترة من التهدئة السياسية النسبية”.
لكن النقاش الدائر اليوم تجاوز سؤال “هل ينجح الحوار؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: ما طبيعة الإصلاحات التي ينبغي أن يفضي إليها؟ وهنا يبرز ملف التعديلات الدستورية باعتباره أحد أبرز الرهانات المطروحة أمام أي توافق سياسي قادم. وفي هذا السياق، طرح الإعلامي والمحلل السياسي البارز محمد محمود بكار مقاربة مختلفة تقوم على أن الدستور ليس نصاً جامداً ولا وثيقة قابلة للعبث السياسي المتكرر، بل هي إطار يجب أن يجمع بين الاستقرار والقدرة على مواكبة التحولات.
التعامل مع التحولات
ويرى ولد بكار أن “التجربة الدستورية الموريتانية، منذ دستور 1991 وما عرفه من تعديلات متلاحقة، أفرزت اختلالات عميقة باتت تحتاج إلى مراجعة جادة.”
ويستند هذا الطرح إلى جملة من التحولات التي تعرفها موريتانيا اليوم، سواء على مستوى اكتشافات الغاز والطاقة والمعادن، أو تصاعد تحديات الهجرة والأمن الإقليمي بعد الانهيارات التي شهدتها بعض دول الساحل المجاورة؛ وهي متغيرات تجعل من الضروري، وفقاً لولد بكار، إعادة التفكير في بنية النظام الدستوري ومؤسساته.
ومن أبرز النقاط المثيرة للجدل في هذا النقاش الدعوة إلى إعادة مجلس الشيوخ الذي أُلغي سنة 2017 عبر استفتاء أثار آنذاك انقسامات سياسية واسعة. ويرى أنصار هذا التوجه أن غياب الغرفة الثانية للبرلمان أضعف جودة التشريع والرقابة، وحوّل البرلمان إلى فضاء تغلب عليه الحسابات السياسية والاجتماعية على حساب الكفاءة والخبرة.
كما يطرح الجدل الدستوري مسألة شروط الترشح للمناصب العليا والهيئات التشريعية، في ظل دعوات إلى تشديد المعايير المتعلقة بالكفاءة العلمية والخبرة الإدارية والسجل الأخلاقي للمرشحين.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الشباب، وضعف مؤشرات التعليم، واتساع التأثير الشعبوي في المجال السياسي.
وفي الاتجاه ذاته، تتصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة تجربة المجالس الجهوية التي أُنشئت بعد تعديلات 2017، وسط انتقادات تعتبر أنها لم تحقق الأهداف التنموية والإدارية المرجوة، بسبب ضعف الصلاحيات وتداخل الاختصاصات مع السلطات الإدارية والبلديات.
لا جدوى من الحوار
وفي رأي آخر، اعتبر العقيد المتقاعد أحمد سالم ولد لكبيد، أن الحوار الوطني الذي دعت إليه السلطات يمثل “رئة تنفس موريتانيا وجهاز إنعاشها بعد أن دخلت مرحلة غيبوبة سياسية”. لكنه شكك في جدوى الحوار خلال الظرف الحالي، وفي قدرة الأحزاب السياسية على إحداث تأثير فعلي في المشهد الوطني. واتهم بعض أطراف المعارضة بالسعي إلى حصر الحوار بشكل مباشر مع الرئيس، متجاوزة أحزاب الأغلبية، وهو ما قال إنه وضع هذه الأخيرة في “موقف محرج” أمام الرأي العام.
ورغم الطابع التقني لبعض هذه القضايا، فإنها تعكس في العمق سؤالاً سياسياً أكبر يتعلق بشكل الدولة في السنوات المقبلة، ومدى قدرتها على بناء مؤسسات قوية ومتوازنة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويبدو أن نجاح الحوار السياسي سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على الفصل بين التعديلات الدستورية الضرورية لتطوير الدولة، وبين المخاوف المرتبطة باستخدام الدستور لخدمة توازنات ظرفية أو حسابات سياسية ضيقة، فالمعارضة تريد ضمانات تحول دون إعادة إنتاج الأزمات السابقة، بينما تسعى السلطة إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي واسع.
وبين هذين الاعتبارين، تقف موريتانيا أمام لحظة سياسية دقيقة: إما أن يتحول الحوار المرتقب إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وإطلاق إصلاحات دستورية ومؤسسية عميقة، أو أن يبقى مجرد محطة أخرى في مسار طويل من التجاذبات المؤجلة. وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإقليمية متشابكة، قد لا يكون ترف تأجيل الحسم متاحاً لفترة أطول.
عمان جو - لم يعد الحديث عن الحوار السياسي في موريتانيا مرتبطاً فقط بترتيبات شكلية تجمع السلطة والمعارضة حول طاولة واحدة، بل أصبح متصلاً بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل النظام السياسي نفسه، وحدود قدرته على إنتاج تسويات مقبولة في ظل التحولات الداخلية والإقليمية المتسارعة.
وفي قلب هذا النقاش يبرز ملف التعديلات الدستورية، والمدد الرئاسية، بوصفه “العقدة” الأكثر حساسية، والتي يبدو أنها تعطل حتى الآن انتقال الحوار من مرحلة النيات إلى مرحلة التفاهمات الفعلية.
ومع أن الموريتانيين منشغلون بالأحداث على الحدود مع مالي وبانعكاسات الحرب بين أميركا وإيران، فإن الجميع ينتظر مع ذلك يداً خفية وعصاً سحرية تخرج الحوار من غرفة العناية المركزة.
الأمل ما زال قائماً
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والصحافي والسياسي، حنفي ولد دهاه، أن مسار الحوار لم يصل بعد إلى نقطة الانهيار الكامل، لكنه يعيش حالة جمود حقيقية بسبب غياب الثقة بين المعارضة والسلطة، والخلاف حول القضايا الدستورية الحساسة. ويعتبر أن تجاوز هذه “العقبة” قد يعيد الحوار إلى سكته الطبيعية، خاصة إذا قُدمت ضمانات واضحة ومقنعة للمعارضة بشأن احترام مخرجات أي اتفاق سياسي محتمل.
وكشفت تصريحات ولد دهاه، وهو سياسي بارز وإعلامي مخضرم، عن جوهر الأزمة السياسية في البلاد، وبخاصة تأكيده أن “الخلاف لم يعد مجرد تنافس تقليدي بين أغلبية ومعارضة، بل تحول إلى أزمة ثقة بنيوية، تخشى فيها المعارضة أن يتحول الحوار إلى مجرد أداة لكسب الوقت وإدارة التوازنات، دون وجود التزام سياسي حقيقي بتنفيذ ما قد ينتج عنه من تفاهمات”.
وفي المقابل، تبدو السلطة حذرة من تقديم ضمانات ملزمة قد تحد من هامشها السياسي مستقبلاً، وبسعيها لفتح مغاليق الدستور أمام متطلبات الانتخابات المقبلة، حيث تخلو الساحة السياسية الموريتانية من خليفة للرئيس محمد ولد الغزواني يطمئن له الجيش ويقبله المدنيون.
انقسام المعارضة
غير أن الأزمة لا تتعلق بالسلطة وحدها، فالمعارضة نفسها تبدو منقسمة في رؤيتها للحوار، نتيجة التباين الإيديولوجي وتضارب الحسابات السياسية داخل مكوناتها، وهو ما يفسر حالة الارتباك التي طبعت مواقف بعض القوى المعارضة خلال الأشهر الأخيرة، بين من يدفع نحو تسوية سياسية واسعة، ومن يتخوف من أن يتحول الحوار إلى عملية إعادة تموقع سياسي لا أكثر.
ورغم ذلك، فإن أهمية الحوار تبدو أكبر من مجرد كونه محطة سياسية عابرة، خصوصاً في ظل مؤشرات التوتر الاجتماعي والاقتصادي التي بدأت تتصاعد تدريجياً، وسط مخاوف من عودة الاحتقان إلى الساحة الوطنية.
وحذر ولد دهاه من أن “فشل الحوار قد يدفع المعارضة إلى استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تصعيد المواجهة مع النظام، بعد فترة من التهدئة السياسية النسبية”.
لكن النقاش الدائر اليوم تجاوز سؤال “هل ينجح الحوار؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: ما طبيعة الإصلاحات التي ينبغي أن يفضي إليها؟ وهنا يبرز ملف التعديلات الدستورية باعتباره أحد أبرز الرهانات المطروحة أمام أي توافق سياسي قادم. وفي هذا السياق، طرح الإعلامي والمحلل السياسي البارز محمد محمود بكار مقاربة مختلفة تقوم على أن الدستور ليس نصاً جامداً ولا وثيقة قابلة للعبث السياسي المتكرر، بل هي إطار يجب أن يجمع بين الاستقرار والقدرة على مواكبة التحولات.
التعامل مع التحولات
ويرى ولد بكار أن “التجربة الدستورية الموريتانية، منذ دستور 1991 وما عرفه من تعديلات متلاحقة، أفرزت اختلالات عميقة باتت تحتاج إلى مراجعة جادة.”
ويستند هذا الطرح إلى جملة من التحولات التي تعرفها موريتانيا اليوم، سواء على مستوى اكتشافات الغاز والطاقة والمعادن، أو تصاعد تحديات الهجرة والأمن الإقليمي بعد الانهيارات التي شهدتها بعض دول الساحل المجاورة؛ وهي متغيرات تجعل من الضروري، وفقاً لولد بكار، إعادة التفكير في بنية النظام الدستوري ومؤسساته.
ومن أبرز النقاط المثيرة للجدل في هذا النقاش الدعوة إلى إعادة مجلس الشيوخ الذي أُلغي سنة 2017 عبر استفتاء أثار آنذاك انقسامات سياسية واسعة. ويرى أنصار هذا التوجه أن غياب الغرفة الثانية للبرلمان أضعف جودة التشريع والرقابة، وحوّل البرلمان إلى فضاء تغلب عليه الحسابات السياسية والاجتماعية على حساب الكفاءة والخبرة.
كما يطرح الجدل الدستوري مسألة شروط الترشح للمناصب العليا والهيئات التشريعية، في ظل دعوات إلى تشديد المعايير المتعلقة بالكفاءة العلمية والخبرة الإدارية والسجل الأخلاقي للمرشحين.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الشباب، وضعف مؤشرات التعليم، واتساع التأثير الشعبوي في المجال السياسي.
وفي الاتجاه ذاته، تتصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة تجربة المجالس الجهوية التي أُنشئت بعد تعديلات 2017، وسط انتقادات تعتبر أنها لم تحقق الأهداف التنموية والإدارية المرجوة، بسبب ضعف الصلاحيات وتداخل الاختصاصات مع السلطات الإدارية والبلديات.
لا جدوى من الحوار
وفي رأي آخر، اعتبر العقيد المتقاعد أحمد سالم ولد لكبيد، أن الحوار الوطني الذي دعت إليه السلطات يمثل “رئة تنفس موريتانيا وجهاز إنعاشها بعد أن دخلت مرحلة غيبوبة سياسية”. لكنه شكك في جدوى الحوار خلال الظرف الحالي، وفي قدرة الأحزاب السياسية على إحداث تأثير فعلي في المشهد الوطني. واتهم بعض أطراف المعارضة بالسعي إلى حصر الحوار بشكل مباشر مع الرئيس، متجاوزة أحزاب الأغلبية، وهو ما قال إنه وضع هذه الأخيرة في “موقف محرج” أمام الرأي العام.
ورغم الطابع التقني لبعض هذه القضايا، فإنها تعكس في العمق سؤالاً سياسياً أكبر يتعلق بشكل الدولة في السنوات المقبلة، ومدى قدرتها على بناء مؤسسات قوية ومتوازنة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويبدو أن نجاح الحوار السياسي سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على الفصل بين التعديلات الدستورية الضرورية لتطوير الدولة، وبين المخاوف المرتبطة باستخدام الدستور لخدمة توازنات ظرفية أو حسابات سياسية ضيقة، فالمعارضة تريد ضمانات تحول دون إعادة إنتاج الأزمات السابقة، بينما تسعى السلطة إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي واسع.
وبين هذين الاعتبارين، تقف موريتانيا أمام لحظة سياسية دقيقة: إما أن يتحول الحوار المرتقب إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وإطلاق إصلاحات دستورية ومؤسسية عميقة، أو أن يبقى مجرد محطة أخرى في مسار طويل من التجاذبات المؤجلة. وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإقليمية متشابكة، قد لا يكون ترف تأجيل الحسم متاحاً لفترة أطول.




الرد على تعليق