عمان جو- يرى أندرو إنغلاند، محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة فايننشال تايمز، أن التوترات المكتومة بين السعودية والإمارات خرجت إلى العلن في اليمن بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي عبر شحنة سلاح، وما تبع ذلك من تصعيد غير مسبوق.
ويشير إنغلاند إلى أن الخلاف يتجاوز اليمن ليعكس منافسة أوسع على النفوذ والاقتصاد، تمتد إلى ملفات مثل السودان وسوريا وحصص الإنتاج في “أوبك+”، بما قد يعقّد مساعي التهدئة في المنطقة.
ويقول الكاتب، إن شحنة أسلحة سرّية رست في أحد الموانئ اليمنية، كانت الشرارة التي فجّرت أخيراً التوترات المكتومة بين عملاقي الخليج، السعودية والإمارات، وأخرجتها إلى العلن بصورة دراماتيكية. فخلال أسابيع، حاولت الرياض من دون جدوى عبر القنوات الدبلوماسية الضغط على فصيل يمني مدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظات سيطر عليها قرب الحدود السعودية في ديسمبر. لكن السعودية تقول إن الإمارات شرعت في إرسال أسلحة وآليات مدرعة إلى ذلك الفصيل، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي.
أثار ذلك غضباً شديداً في الرياض، التي قامت بقصف الشحنة، ووجهت اتهاماً علنياً للإمارات بدعم الهجوم الذي نفذه الفصيل اليمني، وطالبت أبوظبي بسحب قواتها المتبقية من الدولة المنهكة بالحرب. من جانبها، رفضت الإمارات الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت نيتها سحب قواتها في محاولة لاحتواء التصعيد.
هذا التصعيد الاستثنائي أدخل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة فوضى، غير أن تداعياته قد تتجاوز اليمن بكثير، إذ وضع حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، وزعيمي العالم العربي الأكثر نفوذاً، في مواجهة مباشرة: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (MBS)، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (MBZ).
وقال دان شابيرو، الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث حالياً في المجلس الأطلسي: “الأمر مقلق لأنه يعرقل الجهود الرامية إلى معالجة جميع بؤر التوتر في المنطقة في اليمن، غزة، سوريا، لبنان والسودان. وسيكون حل أي من هذه الملفات أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات على الموجة نفسها، ورأتا مصالحهما متعارضة”.
قبل عقد من الزمن، بدا التحالف الطويل بين الدولتين الخليجيتين وكأنه مقبل على فصل جديد حافل بالطموح، تقوده قيادتان شابتان نسبيّاً. الشيخ محمد بن زايد، الذي يكبر محمد بن سلمان بأكثر من عشرين عاماً، كان من أوائل الداعمين لمساعي نظيره السعودي لتحديث المملكة والترويج لنسخة أكثر اعتدالاً من الإسلام في بلد شديد المحافظة.
لطالما استفادت الإمارات من كونها قاعدة للشركات الأجنبية التي تعمل في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم وأكبر اقتصاد في الخليج، لكنها كانت تخشى في الوقت ذاته من المخاطر الاجتماعية والسياسية إذا بقيت المملكة الواسعة المجاورة لها راكدة. لذلك قوبلت محاولات الإصلاح بالترحيب.
ومع تطور العلاقة، روّج محمد بن زايد لولي العهد السعودي وخططه في واشنطن. وذهب بعض المحللين إلى وصف الشيخ الإماراتي الأكبر سناً والأكثر خبرة بأنه كان بمثابة “المرشد” للأمير الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض. إقليمياً، توحدت الدولتان لإبراز نفوذهما؛ فكانت الإمارات الشريك الرئيسي للسعودية عندما قاد محمد بن سلمان تحالفاً عسكرياً للتدخل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015. كما قاد البلدان معاً الحصار الإقليمي على قطر عام 2017، والذي فجّر آخر أزمة خليجية كبرى.
لكن مع تزايد ثقة محمد بن سلمان بنفسه وترسيخه لسلطته، سعى إلى دفع بلاده نحو ما اعتبره موقعها المستحق على الساحة العالمية، فعادت الاحتكاكات بين الملكيتين القويتين إلى الظهور. ويقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي: السعودية تعتقد أن حجمها وقوتها الرمزية يجب أن يحسما الأمر، بينما ترى الإمارات أن ريادتها ومرونتها أكثر انسجاماً مع الديناميات العالمية”.
تحت قيادة محمد بن زايد، استخدمت الإمارات قوتها المالية وعلاقاتها الغربية لتصبح، على الرغم من صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر نفوذاً على الأرجح. وبعد انتفاضات عام 2011 التي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، تحولت الإمارات إلى أكثر الفاعلين الإقليميين اندفاعاً، ساعية إلى التصدي للحركات الإسلامية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها. ويضيف حكيم أن السعودية والإمارات “لديهما مقاربات مختلفة تماماً للمخاطر، داخلياً وعالمياً، ورؤى متباينة لكيفية تنظيم المنطقة”.
ظهرت أولى بوادر التوتر في اليمن عام 2019، عندما غيرت الإمارات سياستها وأعلنت سحب قواتها، التي كانت تشكل العمود الفقري للقوات الأجنبية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كان فيه البلدان الخليجيان يدعمان فصائل مختلفة مناهضة للحوثيين.
كما اشتدت المنافسة الاقتصادية، وبلغت ذروتها عام 2021 عندما أطلق محمد بن سلمان حملة للضغط على الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض. ومنحت هذه الشركات مهلة ثلاث سنوات للانتقال أو المخاطرة بخسارة عقود حكومية مربحة. ونظر الإماراتيون إلى هذه الخطوة على أنها تحدٍّ مباشر لدور دبي كمركز مالي إقليمي.
وتراكمت الخلافات أيضاً حول سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وحصص إنتاج النفط التي يحددها تحالف “أوبك+” الذي تتزعمه السعودية فعلياً. ومع تذبذب التوترات، كان الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق محمد بن زايد، يُوفَد إلى الرياض لمحاولة رأب الصدع. ويُنظر إلى الشيخ طحنون على أنه أقل أيديولوجية ويتمتع بعلاقات جيدة مع السعوديين. لكن مع اتساع الهوة بين الرياض وأبوظبي وتغير موازين القوة، أصبحت مهمته أكثر صعوبة، بحسب مسؤول أمريكي سابق.
وقال المسؤول: “كان طحنون يزور السعودية بانتظام لتلطيف الأجواء، وكلما ساءت الأمور، طالت مدة إقامته. لكن الآن، بعد أن أصبح محمد بن سلمان الحاكم الفعلي، بات ذلك يؤثر على قدرة طحنون على ترميم العلاقات”.
ويرى محللون أن دول الخليج لا تزال تشترك في قواسم أكثر مما تختلف، وأن الطرفين ما زالا يتحدثان عن جيرانهما “الإخوة”. غير أن الحرب في السودان وضعتهم في مواجهة مباشرة خلال الأشهر الأخيرة.
فقد دعم الطرفان في البداية القيادة العسكرية السودانية التي تولت السلطة بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019. لكن عندما اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، ظهرت الخلافات. فالرياض أقرب إلى الجيش السوداني الذي تراه ممثلاً للدولة، في حين تعتقد الإمارات أنه مخترق من الإسلاميين. وتُتهم أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع، التي وُجهت إليها اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وهو ما تنفيه الإمارات.
وقد عبّر محمد بن سلمان عن قلقه إزاء الصراع السوداني وقوات الدعم السريع خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر. وبعد فترة وجيزة من هذا اللقاء، اندلعت أحدث أزمة في اليمن. ففي ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات -وهو رسمياً جزء من الحكومة اليمنية- على محافظتين حدوديتين مع السعودية هما حضرموت والمهرة.
وتعتقد الرياض أن أبوظبي ظنت خطأً أن محمد بن سلمان أثار مع الرئيس الأمريكي مسألة فرض عقوبات على الإمارات بسبب دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، ومن ثم منح الضوء الأخضر لتقدم المجلس الانتقالي بدافع الغضب من المملكة. غير أن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله وصف الربط بين أحداث اليمن والخلافات حول السودان بأنه “تحليل جامح”.
كانت الحرب في اليمن قد دخلت مرحلة جمود بعد أن وافقت الرياض على هدنة مع الحوثيين عام 2022، وسعت إلى الخروج من الحرب، بينما ركز محمد بن سلمان على أجندته الداخلية. لكن الهجوم الانفصالي شكّل ضربة قاسية للنفوذ السعودي، وللحكومة اليمنية التي تدعمها، كما مسّ -في نظر الرياض- بأمنها القومي.
وقال فراس مقصَد، المدير التنفيذي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة “يوراسيا”: “اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية. والهجوم الذي شنته قوات مدعومة من الإمارات تجاوز الخطوط الحمراء السعودية”.
وأضاف أن قرار أبوظبي سحب قواتها المتبقية وفّر “مخرجاً” من أزمة كانت قد تتحول إلى “تصادم مباشر ذي تداعيات خطيرة”. لكنه حذّر من أن الخطر يكمن في أن تتحول الأزمة إلى “مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة”.
عمان جو- يرى أندرو إنغلاند، محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة فايننشال تايمز، أن التوترات المكتومة بين السعودية والإمارات خرجت إلى العلن في اليمن بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي عبر شحنة سلاح، وما تبع ذلك من تصعيد غير مسبوق.
ويشير إنغلاند إلى أن الخلاف يتجاوز اليمن ليعكس منافسة أوسع على النفوذ والاقتصاد، تمتد إلى ملفات مثل السودان وسوريا وحصص الإنتاج في “أوبك+”، بما قد يعقّد مساعي التهدئة في المنطقة.
ويقول الكاتب، إن شحنة أسلحة سرّية رست في أحد الموانئ اليمنية، كانت الشرارة التي فجّرت أخيراً التوترات المكتومة بين عملاقي الخليج، السعودية والإمارات، وأخرجتها إلى العلن بصورة دراماتيكية. فخلال أسابيع، حاولت الرياض من دون جدوى عبر القنوات الدبلوماسية الضغط على فصيل يمني مدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظات سيطر عليها قرب الحدود السعودية في ديسمبر. لكن السعودية تقول إن الإمارات شرعت في إرسال أسلحة وآليات مدرعة إلى ذلك الفصيل، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي.
أثار ذلك غضباً شديداً في الرياض، التي قامت بقصف الشحنة، ووجهت اتهاماً علنياً للإمارات بدعم الهجوم الذي نفذه الفصيل اليمني، وطالبت أبوظبي بسحب قواتها المتبقية من الدولة المنهكة بالحرب. من جانبها، رفضت الإمارات الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت نيتها سحب قواتها في محاولة لاحتواء التصعيد.
هذا التصعيد الاستثنائي أدخل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة فوضى، غير أن تداعياته قد تتجاوز اليمن بكثير، إذ وضع حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، وزعيمي العالم العربي الأكثر نفوذاً، في مواجهة مباشرة: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (MBS)، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (MBZ).
وقال دان شابيرو، الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث حالياً في المجلس الأطلسي: “الأمر مقلق لأنه يعرقل الجهود الرامية إلى معالجة جميع بؤر التوتر في المنطقة في اليمن، غزة، سوريا، لبنان والسودان. وسيكون حل أي من هذه الملفات أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات على الموجة نفسها، ورأتا مصالحهما متعارضة”.
قبل عقد من الزمن، بدا التحالف الطويل بين الدولتين الخليجيتين وكأنه مقبل على فصل جديد حافل بالطموح، تقوده قيادتان شابتان نسبيّاً. الشيخ محمد بن زايد، الذي يكبر محمد بن سلمان بأكثر من عشرين عاماً، كان من أوائل الداعمين لمساعي نظيره السعودي لتحديث المملكة والترويج لنسخة أكثر اعتدالاً من الإسلام في بلد شديد المحافظة.
لطالما استفادت الإمارات من كونها قاعدة للشركات الأجنبية التي تعمل في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم وأكبر اقتصاد في الخليج، لكنها كانت تخشى في الوقت ذاته من المخاطر الاجتماعية والسياسية إذا بقيت المملكة الواسعة المجاورة لها راكدة. لذلك قوبلت محاولات الإصلاح بالترحيب.
ومع تطور العلاقة، روّج محمد بن زايد لولي العهد السعودي وخططه في واشنطن. وذهب بعض المحللين إلى وصف الشيخ الإماراتي الأكبر سناً والأكثر خبرة بأنه كان بمثابة “المرشد” للأمير الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض. إقليمياً، توحدت الدولتان لإبراز نفوذهما؛ فكانت الإمارات الشريك الرئيسي للسعودية عندما قاد محمد بن سلمان تحالفاً عسكرياً للتدخل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015. كما قاد البلدان معاً الحصار الإقليمي على قطر عام 2017، والذي فجّر آخر أزمة خليجية كبرى.
لكن مع تزايد ثقة محمد بن سلمان بنفسه وترسيخه لسلطته، سعى إلى دفع بلاده نحو ما اعتبره موقعها المستحق على الساحة العالمية، فعادت الاحتكاكات بين الملكيتين القويتين إلى الظهور. ويقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي: السعودية تعتقد أن حجمها وقوتها الرمزية يجب أن يحسما الأمر، بينما ترى الإمارات أن ريادتها ومرونتها أكثر انسجاماً مع الديناميات العالمية”.
تحت قيادة محمد بن زايد، استخدمت الإمارات قوتها المالية وعلاقاتها الغربية لتصبح، على الرغم من صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر نفوذاً على الأرجح. وبعد انتفاضات عام 2011 التي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، تحولت الإمارات إلى أكثر الفاعلين الإقليميين اندفاعاً، ساعية إلى التصدي للحركات الإسلامية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها. ويضيف حكيم أن السعودية والإمارات “لديهما مقاربات مختلفة تماماً للمخاطر، داخلياً وعالمياً، ورؤى متباينة لكيفية تنظيم المنطقة”.
ظهرت أولى بوادر التوتر في اليمن عام 2019، عندما غيرت الإمارات سياستها وأعلنت سحب قواتها، التي كانت تشكل العمود الفقري للقوات الأجنبية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كان فيه البلدان الخليجيان يدعمان فصائل مختلفة مناهضة للحوثيين.
كما اشتدت المنافسة الاقتصادية، وبلغت ذروتها عام 2021 عندما أطلق محمد بن سلمان حملة للضغط على الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض. ومنحت هذه الشركات مهلة ثلاث سنوات للانتقال أو المخاطرة بخسارة عقود حكومية مربحة. ونظر الإماراتيون إلى هذه الخطوة على أنها تحدٍّ مباشر لدور دبي كمركز مالي إقليمي.
وتراكمت الخلافات أيضاً حول سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وحصص إنتاج النفط التي يحددها تحالف “أوبك+” الذي تتزعمه السعودية فعلياً. ومع تذبذب التوترات، كان الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق محمد بن زايد، يُوفَد إلى الرياض لمحاولة رأب الصدع. ويُنظر إلى الشيخ طحنون على أنه أقل أيديولوجية ويتمتع بعلاقات جيدة مع السعوديين. لكن مع اتساع الهوة بين الرياض وأبوظبي وتغير موازين القوة، أصبحت مهمته أكثر صعوبة، بحسب مسؤول أمريكي سابق.
وقال المسؤول: “كان طحنون يزور السعودية بانتظام لتلطيف الأجواء، وكلما ساءت الأمور، طالت مدة إقامته. لكن الآن، بعد أن أصبح محمد بن سلمان الحاكم الفعلي، بات ذلك يؤثر على قدرة طحنون على ترميم العلاقات”.
ويرى محللون أن دول الخليج لا تزال تشترك في قواسم أكثر مما تختلف، وأن الطرفين ما زالا يتحدثان عن جيرانهما “الإخوة”. غير أن الحرب في السودان وضعتهم في مواجهة مباشرة خلال الأشهر الأخيرة.
فقد دعم الطرفان في البداية القيادة العسكرية السودانية التي تولت السلطة بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019. لكن عندما اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، ظهرت الخلافات. فالرياض أقرب إلى الجيش السوداني الذي تراه ممثلاً للدولة، في حين تعتقد الإمارات أنه مخترق من الإسلاميين. وتُتهم أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع، التي وُجهت إليها اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وهو ما تنفيه الإمارات.
وقد عبّر محمد بن سلمان عن قلقه إزاء الصراع السوداني وقوات الدعم السريع خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر. وبعد فترة وجيزة من هذا اللقاء، اندلعت أحدث أزمة في اليمن. ففي ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات -وهو رسمياً جزء من الحكومة اليمنية- على محافظتين حدوديتين مع السعودية هما حضرموت والمهرة.
وتعتقد الرياض أن أبوظبي ظنت خطأً أن محمد بن سلمان أثار مع الرئيس الأمريكي مسألة فرض عقوبات على الإمارات بسبب دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، ومن ثم منح الضوء الأخضر لتقدم المجلس الانتقالي بدافع الغضب من المملكة. غير أن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله وصف الربط بين أحداث اليمن والخلافات حول السودان بأنه “تحليل جامح”.
كانت الحرب في اليمن قد دخلت مرحلة جمود بعد أن وافقت الرياض على هدنة مع الحوثيين عام 2022، وسعت إلى الخروج من الحرب، بينما ركز محمد بن سلمان على أجندته الداخلية. لكن الهجوم الانفصالي شكّل ضربة قاسية للنفوذ السعودي، وللحكومة اليمنية التي تدعمها، كما مسّ -في نظر الرياض- بأمنها القومي.
وقال فراس مقصَد، المدير التنفيذي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة “يوراسيا”: “اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية. والهجوم الذي شنته قوات مدعومة من الإمارات تجاوز الخطوط الحمراء السعودية”.
وأضاف أن قرار أبوظبي سحب قواتها المتبقية وفّر “مخرجاً” من أزمة كانت قد تتحول إلى “تصادم مباشر ذي تداعيات خطيرة”. لكنه حذّر من أن الخطر يكمن في أن تتحول الأزمة إلى “مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة”.
عمان جو- يرى أندرو إنغلاند، محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة فايننشال تايمز، أن التوترات المكتومة بين السعودية والإمارات خرجت إلى العلن في اليمن بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي عبر شحنة سلاح، وما تبع ذلك من تصعيد غير مسبوق.
ويشير إنغلاند إلى أن الخلاف يتجاوز اليمن ليعكس منافسة أوسع على النفوذ والاقتصاد، تمتد إلى ملفات مثل السودان وسوريا وحصص الإنتاج في “أوبك+”، بما قد يعقّد مساعي التهدئة في المنطقة.
ويقول الكاتب، إن شحنة أسلحة سرّية رست في أحد الموانئ اليمنية، كانت الشرارة التي فجّرت أخيراً التوترات المكتومة بين عملاقي الخليج، السعودية والإمارات، وأخرجتها إلى العلن بصورة دراماتيكية. فخلال أسابيع، حاولت الرياض من دون جدوى عبر القنوات الدبلوماسية الضغط على فصيل يمني مدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظات سيطر عليها قرب الحدود السعودية في ديسمبر. لكن السعودية تقول إن الإمارات شرعت في إرسال أسلحة وآليات مدرعة إلى ذلك الفصيل، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي.
أثار ذلك غضباً شديداً في الرياض، التي قامت بقصف الشحنة، ووجهت اتهاماً علنياً للإمارات بدعم الهجوم الذي نفذه الفصيل اليمني، وطالبت أبوظبي بسحب قواتها المتبقية من الدولة المنهكة بالحرب. من جانبها، رفضت الإمارات الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت نيتها سحب قواتها في محاولة لاحتواء التصعيد.
هذا التصعيد الاستثنائي أدخل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة فوضى، غير أن تداعياته قد تتجاوز اليمن بكثير، إذ وضع حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، وزعيمي العالم العربي الأكثر نفوذاً، في مواجهة مباشرة: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (MBS)، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (MBZ).
وقال دان شابيرو، الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث حالياً في المجلس الأطلسي: “الأمر مقلق لأنه يعرقل الجهود الرامية إلى معالجة جميع بؤر التوتر في المنطقة في اليمن، غزة، سوريا، لبنان والسودان. وسيكون حل أي من هذه الملفات أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات على الموجة نفسها، ورأتا مصالحهما متعارضة”.
قبل عقد من الزمن، بدا التحالف الطويل بين الدولتين الخليجيتين وكأنه مقبل على فصل جديد حافل بالطموح، تقوده قيادتان شابتان نسبيّاً. الشيخ محمد بن زايد، الذي يكبر محمد بن سلمان بأكثر من عشرين عاماً، كان من أوائل الداعمين لمساعي نظيره السعودي لتحديث المملكة والترويج لنسخة أكثر اعتدالاً من الإسلام في بلد شديد المحافظة.
لطالما استفادت الإمارات من كونها قاعدة للشركات الأجنبية التي تعمل في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم وأكبر اقتصاد في الخليج، لكنها كانت تخشى في الوقت ذاته من المخاطر الاجتماعية والسياسية إذا بقيت المملكة الواسعة المجاورة لها راكدة. لذلك قوبلت محاولات الإصلاح بالترحيب.
ومع تطور العلاقة، روّج محمد بن زايد لولي العهد السعودي وخططه في واشنطن. وذهب بعض المحللين إلى وصف الشيخ الإماراتي الأكبر سناً والأكثر خبرة بأنه كان بمثابة “المرشد” للأمير الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض. إقليمياً، توحدت الدولتان لإبراز نفوذهما؛ فكانت الإمارات الشريك الرئيسي للسعودية عندما قاد محمد بن سلمان تحالفاً عسكرياً للتدخل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015. كما قاد البلدان معاً الحصار الإقليمي على قطر عام 2017، والذي فجّر آخر أزمة خليجية كبرى.
لكن مع تزايد ثقة محمد بن سلمان بنفسه وترسيخه لسلطته، سعى إلى دفع بلاده نحو ما اعتبره موقعها المستحق على الساحة العالمية، فعادت الاحتكاكات بين الملكيتين القويتين إلى الظهور. ويقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي: السعودية تعتقد أن حجمها وقوتها الرمزية يجب أن يحسما الأمر، بينما ترى الإمارات أن ريادتها ومرونتها أكثر انسجاماً مع الديناميات العالمية”.
تحت قيادة محمد بن زايد، استخدمت الإمارات قوتها المالية وعلاقاتها الغربية لتصبح، على الرغم من صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر نفوذاً على الأرجح. وبعد انتفاضات عام 2011 التي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، تحولت الإمارات إلى أكثر الفاعلين الإقليميين اندفاعاً، ساعية إلى التصدي للحركات الإسلامية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها. ويضيف حكيم أن السعودية والإمارات “لديهما مقاربات مختلفة تماماً للمخاطر، داخلياً وعالمياً، ورؤى متباينة لكيفية تنظيم المنطقة”.
ظهرت أولى بوادر التوتر في اليمن عام 2019، عندما غيرت الإمارات سياستها وأعلنت سحب قواتها، التي كانت تشكل العمود الفقري للقوات الأجنبية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كان فيه البلدان الخليجيان يدعمان فصائل مختلفة مناهضة للحوثيين.
كما اشتدت المنافسة الاقتصادية، وبلغت ذروتها عام 2021 عندما أطلق محمد بن سلمان حملة للضغط على الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض. ومنحت هذه الشركات مهلة ثلاث سنوات للانتقال أو المخاطرة بخسارة عقود حكومية مربحة. ونظر الإماراتيون إلى هذه الخطوة على أنها تحدٍّ مباشر لدور دبي كمركز مالي إقليمي.
وتراكمت الخلافات أيضاً حول سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وحصص إنتاج النفط التي يحددها تحالف “أوبك+” الذي تتزعمه السعودية فعلياً. ومع تذبذب التوترات، كان الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق محمد بن زايد، يُوفَد إلى الرياض لمحاولة رأب الصدع. ويُنظر إلى الشيخ طحنون على أنه أقل أيديولوجية ويتمتع بعلاقات جيدة مع السعوديين. لكن مع اتساع الهوة بين الرياض وأبوظبي وتغير موازين القوة، أصبحت مهمته أكثر صعوبة، بحسب مسؤول أمريكي سابق.
وقال المسؤول: “كان طحنون يزور السعودية بانتظام لتلطيف الأجواء، وكلما ساءت الأمور، طالت مدة إقامته. لكن الآن، بعد أن أصبح محمد بن سلمان الحاكم الفعلي، بات ذلك يؤثر على قدرة طحنون على ترميم العلاقات”.
ويرى محللون أن دول الخليج لا تزال تشترك في قواسم أكثر مما تختلف، وأن الطرفين ما زالا يتحدثان عن جيرانهما “الإخوة”. غير أن الحرب في السودان وضعتهم في مواجهة مباشرة خلال الأشهر الأخيرة.
فقد دعم الطرفان في البداية القيادة العسكرية السودانية التي تولت السلطة بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019. لكن عندما اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، ظهرت الخلافات. فالرياض أقرب إلى الجيش السوداني الذي تراه ممثلاً للدولة، في حين تعتقد الإمارات أنه مخترق من الإسلاميين. وتُتهم أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع، التي وُجهت إليها اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وهو ما تنفيه الإمارات.
وقد عبّر محمد بن سلمان عن قلقه إزاء الصراع السوداني وقوات الدعم السريع خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر. وبعد فترة وجيزة من هذا اللقاء، اندلعت أحدث أزمة في اليمن. ففي ديسمبر، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات -وهو رسمياً جزء من الحكومة اليمنية- على محافظتين حدوديتين مع السعودية هما حضرموت والمهرة.
وتعتقد الرياض أن أبوظبي ظنت خطأً أن محمد بن سلمان أثار مع الرئيس الأمريكي مسألة فرض عقوبات على الإمارات بسبب دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، ومن ثم منح الضوء الأخضر لتقدم المجلس الانتقالي بدافع الغضب من المملكة. غير أن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله وصف الربط بين أحداث اليمن والخلافات حول السودان بأنه “تحليل جامح”.
كانت الحرب في اليمن قد دخلت مرحلة جمود بعد أن وافقت الرياض على هدنة مع الحوثيين عام 2022، وسعت إلى الخروج من الحرب، بينما ركز محمد بن سلمان على أجندته الداخلية. لكن الهجوم الانفصالي شكّل ضربة قاسية للنفوذ السعودي، وللحكومة اليمنية التي تدعمها، كما مسّ -في نظر الرياض- بأمنها القومي.
وقال فراس مقصَد، المدير التنفيذي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة “يوراسيا”: “اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية. والهجوم الذي شنته قوات مدعومة من الإمارات تجاوز الخطوط الحمراء السعودية”.
وأضاف أن قرار أبوظبي سحب قواتها المتبقية وفّر “مخرجاً” من أزمة كانت قد تتحول إلى “تصادم مباشر ذي تداعيات خطيرة”. لكنه حذّر من أن الخطر يكمن في أن تتحول الأزمة إلى “مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة”.
التعليقات