عمان جو -بقلم: زيد أبو زيد
قلتُها يومًا، وربما لم نكن ندرك عمقها آنذاك: إن الإنسان، في زمن الإعلام الجديد، سيدخل واحدةً من أعقد مراحل تاريخه في علاقته مع الكلمة. لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نقل خبر، بل أصبح ساحة صراع، وميدان تشكيل وعي، وأداة إنتاج مواقف، بل وأحيانًا صناعة أزمات. ومع تصاعد الأدوار التي تلعبها منصات التواصل الاجتماعي، لم تفشل الدول فقط في تنظيم هذا الفضاء، بل عجزت أيضًا عن بناء ثقافة عامة تضبط استخدامه، وتحدد حدوده الأخلاقية والقانونية.
لقد وجد كثيرون أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات لم يكونوا يتصورون أنهم سيُحاسبون عليها يومًا؛ منشور، تعليق، أو حتى رسالة نصية قد تتحول إلى قضية قانونية، أو إلى مدخل لأزمة شخصية أو عامة. لكن، ورغم خطورة هذا البعد، فإن جوهر المسألة يتجاوز ذلك بكثير.
في خضم التصعيد الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “ساحات حرب موازية”، تُعرض فيها مقاطع، وتُبث فيها تحليلات، وتُصاغ فيها روايات متناقضة، بل ومتصادمة أحيانًا حتى داخل الشخص الواحد، الذي قد يناقض نفسه بين منشور وآخر دون وعي أو مراجعة.
وهنا تبرز أزمة الوعي، لا أزمة المعلومة.
لقد سبق أن تحدثنا عن ضرورة بناء ثقافة إعلامية جديدة، لا تقوم فقط على حرية النشر، بل على وعي ما يُنشر وما لا يُنشر، وعلى إدراك أن الكلمة موقف، وأن الموقف مسؤولية. وهذه الثقافة ليست مهمة المؤسسات التربوية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والإعلام، والمجتمع، وكل فرد فيه.
وفي سياق الأحداث الأخيرة، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية:
أولًا: الشرعية الدولية بين الفكرة والواقع
عند الحديث عن قرارات الشرعية الدولية، لا بد من التوقف عند طبيعة النظام الدولي ذاته، كما تمثله هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فهذان الكيانان لم ينشآ في فراغ، بل كانا نتاجًا مباشرًا لما أفرزته الحرب العالمية الثانية من توازنات بين منتصرين ومنهزمين، وهو ما انعكس في منح خمس دول فقط حق النقض (الفيتو): الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي** (الذي ورثت مقعده روسيا لاحقًا)، و**الصين**.
هذا البناء، ورغم أنه شكّل إطارًا لتنظيم العلاقات الدولية، إلا أنه ظل محل شكٍ عميق؛ إذ كثيرًا ما عُطّلت عبره قرارات تمس جوهر الإنسانية: حق الشعوب في الحياة الكريمة، في الحرية، في التخلص من الفقر والجهل، وفي الاستقلال بعيدًا عن سياسات الهيمنة. ومع ذلك، وبرغم كل القصور، يبقى هذا الإطار—بحدّه الأدنى—أفضل من الفوضى المطلقة.
فالقرارات التي تُتخذ خارج هذا الإطار، تبدو أكثر خطورة وبشاعة، كما حدث في غزو العراق 2003، حين تم اتخاذ قرار الحرب دون تفويض دولي، وهو ما أقرّ لاحقًا كثير من السياسيين بخطورته ونتائجه الكارثية، ليس فقط على العراق، بل على استقرار المنطقة بأكملها. واليوم، يتكرر المشهد في محطات أخرى، حيث تُتخذ قرارات التصعيد أو الضرب خارج أي شرعية دولية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد موقفًا متوازنًا: ندافع عن حق إيران وشعبها في الأمن والحياة والكرامة، ونرفض أي اعتداء أو تصعيد ضدها خارج إطار الشرعية، لكننا في الوقت ذاته لا نقبل بسياسات تصدير الأزمات أو بناء النفوذ عبر أدوات خارج الدولة، كما لا نقبل بالهيمنة على قرارات دول أخرى.
كما نؤكد أن المضائق والممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز، هي ممرات دولية تخضع لقواعد القانون الدولي، ولا يجوز لأي دولة أن تدّعي ملكيتها أو تفرض السيطرة المطلقة عليها.
ثانيًا: بين حق الدفاع وحدود السيادة
من حق أي شعب—ومن ضمنه الشعب الإيراني—أن يدافع عن وطنه، وأن يعبر عن موقفه عبر نخبِه السياسية والإعلامية والثقافية. لكن هذا الحق يتوقف عند حدود الآخرين؛ فلا يجوز أن يتحول الدفاع عن الوطن إلى إساءة لأوطان أخرى، أو مساس بسيادتها.
وهنا نؤكد بوضوح: الأردن، دولةً وشعبًا وقيادةً، خط أحمر، لا نقبل المساس به بأي شكل من الأشكال، كما لا نقبل أن تكون أرضه أو سماؤه ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
ثالثًا: معركة الوعي لا الضجيج
إن معركة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل هي قبل ذلك معركة وعي. والوعي لا يُبنى بالصوت العالي، ولا بالشتائم، ولا بتشويه الشخصيات أو استخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي في التضليل، بل بالحجة، وبالقدرة على تقديم خطاب متماسك قائم على المعرفة.
رابعًا: جذور الأزمات لا أعراضها
لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة دون الإشارة إلى دور الكيان الإسرائيلي في تأجيج الصراعات، وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، بما يعطل أي مسار جدي نحو السلام العادل، ويُبقي القضايا الجوهرية—وفي مقدمتها القضية الفلسطينية—معلقة دون حل عادل وشامل.
خامسًا: الموقف ليس شعارًا
إن الموقف السياسي لا يُبنى على الانفعال، ولا على الاصطفاف اللحظي، بل على منظومة من المبادئ والأفكار. فليس كافيًا أن تقول إنك مع هذا الطرف أو ضد ذاك، ما لم يكن لديك أساس فكري واضح، وهوية سياسية متماسكة، ورؤية تنطلق من البعد الوطني والقومي والإنساني.
إن أخطر ما في زمننا هذا، ليس كثرة المعلومات، بل هشاشة الوعي الذي يتعامل معها. فالكلمة التي لا تستند إلى معرفة، قد تتحول إلى عبء، والموقف الذي لا يقوم على وعي، قد يصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.
في عصرٍ أصبحت فيه الكلمة سلاحًا، لم يعد السؤال: ماذا تقول؟ بل: هل تملك وعيًا يليق بما تقول؟
عمان جو -بقلم: زيد أبو زيد
قلتُها يومًا، وربما لم نكن ندرك عمقها آنذاك: إن الإنسان، في زمن الإعلام الجديد، سيدخل واحدةً من أعقد مراحل تاريخه في علاقته مع الكلمة. لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نقل خبر، بل أصبح ساحة صراع، وميدان تشكيل وعي، وأداة إنتاج مواقف، بل وأحيانًا صناعة أزمات. ومع تصاعد الأدوار التي تلعبها منصات التواصل الاجتماعي، لم تفشل الدول فقط في تنظيم هذا الفضاء، بل عجزت أيضًا عن بناء ثقافة عامة تضبط استخدامه، وتحدد حدوده الأخلاقية والقانونية.
لقد وجد كثيرون أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات لم يكونوا يتصورون أنهم سيُحاسبون عليها يومًا؛ منشور، تعليق، أو حتى رسالة نصية قد تتحول إلى قضية قانونية، أو إلى مدخل لأزمة شخصية أو عامة. لكن، ورغم خطورة هذا البعد، فإن جوهر المسألة يتجاوز ذلك بكثير.
في خضم التصعيد الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “ساحات حرب موازية”، تُعرض فيها مقاطع، وتُبث فيها تحليلات، وتُصاغ فيها روايات متناقضة، بل ومتصادمة أحيانًا حتى داخل الشخص الواحد، الذي قد يناقض نفسه بين منشور وآخر دون وعي أو مراجعة.
وهنا تبرز أزمة الوعي، لا أزمة المعلومة.
لقد سبق أن تحدثنا عن ضرورة بناء ثقافة إعلامية جديدة، لا تقوم فقط على حرية النشر، بل على وعي ما يُنشر وما لا يُنشر، وعلى إدراك أن الكلمة موقف، وأن الموقف مسؤولية. وهذه الثقافة ليست مهمة المؤسسات التربوية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والإعلام، والمجتمع، وكل فرد فيه.
وفي سياق الأحداث الأخيرة، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية:
أولًا: الشرعية الدولية بين الفكرة والواقع
عند الحديث عن قرارات الشرعية الدولية، لا بد من التوقف عند طبيعة النظام الدولي ذاته، كما تمثله هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فهذان الكيانان لم ينشآ في فراغ، بل كانا نتاجًا مباشرًا لما أفرزته الحرب العالمية الثانية من توازنات بين منتصرين ومنهزمين، وهو ما انعكس في منح خمس دول فقط حق النقض (الفيتو): الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي** (الذي ورثت مقعده روسيا لاحقًا)، و**الصين**.
هذا البناء، ورغم أنه شكّل إطارًا لتنظيم العلاقات الدولية، إلا أنه ظل محل شكٍ عميق؛ إذ كثيرًا ما عُطّلت عبره قرارات تمس جوهر الإنسانية: حق الشعوب في الحياة الكريمة، في الحرية، في التخلص من الفقر والجهل، وفي الاستقلال بعيدًا عن سياسات الهيمنة. ومع ذلك، وبرغم كل القصور، يبقى هذا الإطار—بحدّه الأدنى—أفضل من الفوضى المطلقة.
فالقرارات التي تُتخذ خارج هذا الإطار، تبدو أكثر خطورة وبشاعة، كما حدث في غزو العراق 2003، حين تم اتخاذ قرار الحرب دون تفويض دولي، وهو ما أقرّ لاحقًا كثير من السياسيين بخطورته ونتائجه الكارثية، ليس فقط على العراق، بل على استقرار المنطقة بأكملها. واليوم، يتكرر المشهد في محطات أخرى، حيث تُتخذ قرارات التصعيد أو الضرب خارج أي شرعية دولية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد موقفًا متوازنًا: ندافع عن حق إيران وشعبها في الأمن والحياة والكرامة، ونرفض أي اعتداء أو تصعيد ضدها خارج إطار الشرعية، لكننا في الوقت ذاته لا نقبل بسياسات تصدير الأزمات أو بناء النفوذ عبر أدوات خارج الدولة، كما لا نقبل بالهيمنة على قرارات دول أخرى.
كما نؤكد أن المضائق والممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز، هي ممرات دولية تخضع لقواعد القانون الدولي، ولا يجوز لأي دولة أن تدّعي ملكيتها أو تفرض السيطرة المطلقة عليها.
ثانيًا: بين حق الدفاع وحدود السيادة
من حق أي شعب—ومن ضمنه الشعب الإيراني—أن يدافع عن وطنه، وأن يعبر عن موقفه عبر نخبِه السياسية والإعلامية والثقافية. لكن هذا الحق يتوقف عند حدود الآخرين؛ فلا يجوز أن يتحول الدفاع عن الوطن إلى إساءة لأوطان أخرى، أو مساس بسيادتها.
وهنا نؤكد بوضوح: الأردن، دولةً وشعبًا وقيادةً، خط أحمر، لا نقبل المساس به بأي شكل من الأشكال، كما لا نقبل أن تكون أرضه أو سماؤه ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
ثالثًا: معركة الوعي لا الضجيج
إن معركة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل هي قبل ذلك معركة وعي. والوعي لا يُبنى بالصوت العالي، ولا بالشتائم، ولا بتشويه الشخصيات أو استخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي في التضليل، بل بالحجة، وبالقدرة على تقديم خطاب متماسك قائم على المعرفة.
رابعًا: جذور الأزمات لا أعراضها
لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة دون الإشارة إلى دور الكيان الإسرائيلي في تأجيج الصراعات، وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، بما يعطل أي مسار جدي نحو السلام العادل، ويُبقي القضايا الجوهرية—وفي مقدمتها القضية الفلسطينية—معلقة دون حل عادل وشامل.
خامسًا: الموقف ليس شعارًا
إن الموقف السياسي لا يُبنى على الانفعال، ولا على الاصطفاف اللحظي، بل على منظومة من المبادئ والأفكار. فليس كافيًا أن تقول إنك مع هذا الطرف أو ضد ذاك، ما لم يكن لديك أساس فكري واضح، وهوية سياسية متماسكة، ورؤية تنطلق من البعد الوطني والقومي والإنساني.
إن أخطر ما في زمننا هذا، ليس كثرة المعلومات، بل هشاشة الوعي الذي يتعامل معها. فالكلمة التي لا تستند إلى معرفة، قد تتحول إلى عبء، والموقف الذي لا يقوم على وعي، قد يصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.
في عصرٍ أصبحت فيه الكلمة سلاحًا، لم يعد السؤال: ماذا تقول؟ بل: هل تملك وعيًا يليق بما تقول؟
عمان جو -بقلم: زيد أبو زيد
قلتُها يومًا، وربما لم نكن ندرك عمقها آنذاك: إن الإنسان، في زمن الإعلام الجديد، سيدخل واحدةً من أعقد مراحل تاريخه في علاقته مع الكلمة. لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نقل خبر، بل أصبح ساحة صراع، وميدان تشكيل وعي، وأداة إنتاج مواقف، بل وأحيانًا صناعة أزمات. ومع تصاعد الأدوار التي تلعبها منصات التواصل الاجتماعي، لم تفشل الدول فقط في تنظيم هذا الفضاء، بل عجزت أيضًا عن بناء ثقافة عامة تضبط استخدامه، وتحدد حدوده الأخلاقية والقانونية.
لقد وجد كثيرون أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات لم يكونوا يتصورون أنهم سيُحاسبون عليها يومًا؛ منشور، تعليق، أو حتى رسالة نصية قد تتحول إلى قضية قانونية، أو إلى مدخل لأزمة شخصية أو عامة. لكن، ورغم خطورة هذا البعد، فإن جوهر المسألة يتجاوز ذلك بكثير.
في خضم التصعيد الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “ساحات حرب موازية”، تُعرض فيها مقاطع، وتُبث فيها تحليلات، وتُصاغ فيها روايات متناقضة، بل ومتصادمة أحيانًا حتى داخل الشخص الواحد، الذي قد يناقض نفسه بين منشور وآخر دون وعي أو مراجعة.
وهنا تبرز أزمة الوعي، لا أزمة المعلومة.
لقد سبق أن تحدثنا عن ضرورة بناء ثقافة إعلامية جديدة، لا تقوم فقط على حرية النشر، بل على وعي ما يُنشر وما لا يُنشر، وعلى إدراك أن الكلمة موقف، وأن الموقف مسؤولية. وهذه الثقافة ليست مهمة المؤسسات التربوية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والإعلام، والمجتمع، وكل فرد فيه.
وفي سياق الأحداث الأخيرة، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية:
أولًا: الشرعية الدولية بين الفكرة والواقع
عند الحديث عن قرارات الشرعية الدولية، لا بد من التوقف عند طبيعة النظام الدولي ذاته، كما تمثله هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. فهذان الكيانان لم ينشآ في فراغ، بل كانا نتاجًا مباشرًا لما أفرزته الحرب العالمية الثانية من توازنات بين منتصرين ومنهزمين، وهو ما انعكس في منح خمس دول فقط حق النقض (الفيتو): الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي** (الذي ورثت مقعده روسيا لاحقًا)، و**الصين**.
هذا البناء، ورغم أنه شكّل إطارًا لتنظيم العلاقات الدولية، إلا أنه ظل محل شكٍ عميق؛ إذ كثيرًا ما عُطّلت عبره قرارات تمس جوهر الإنسانية: حق الشعوب في الحياة الكريمة، في الحرية، في التخلص من الفقر والجهل، وفي الاستقلال بعيدًا عن سياسات الهيمنة. ومع ذلك، وبرغم كل القصور، يبقى هذا الإطار—بحدّه الأدنى—أفضل من الفوضى المطلقة.
فالقرارات التي تُتخذ خارج هذا الإطار، تبدو أكثر خطورة وبشاعة، كما حدث في غزو العراق 2003، حين تم اتخاذ قرار الحرب دون تفويض دولي، وهو ما أقرّ لاحقًا كثير من السياسيين بخطورته ونتائجه الكارثية، ليس فقط على العراق، بل على استقرار المنطقة بأكملها. واليوم، يتكرر المشهد في محطات أخرى، حيث تُتخذ قرارات التصعيد أو الضرب خارج أي شرعية دولية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد موقفًا متوازنًا: ندافع عن حق إيران وشعبها في الأمن والحياة والكرامة، ونرفض أي اعتداء أو تصعيد ضدها خارج إطار الشرعية، لكننا في الوقت ذاته لا نقبل بسياسات تصدير الأزمات أو بناء النفوذ عبر أدوات خارج الدولة، كما لا نقبل بالهيمنة على قرارات دول أخرى.
كما نؤكد أن المضائق والممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز، هي ممرات دولية تخضع لقواعد القانون الدولي، ولا يجوز لأي دولة أن تدّعي ملكيتها أو تفرض السيطرة المطلقة عليها.
ثانيًا: بين حق الدفاع وحدود السيادة
من حق أي شعب—ومن ضمنه الشعب الإيراني—أن يدافع عن وطنه، وأن يعبر عن موقفه عبر نخبِه السياسية والإعلامية والثقافية. لكن هذا الحق يتوقف عند حدود الآخرين؛ فلا يجوز أن يتحول الدفاع عن الوطن إلى إساءة لأوطان أخرى، أو مساس بسيادتها.
وهنا نؤكد بوضوح: الأردن، دولةً وشعبًا وقيادةً، خط أحمر، لا نقبل المساس به بأي شكل من الأشكال، كما لا نقبل أن تكون أرضه أو سماؤه ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
ثالثًا: معركة الوعي لا الضجيج
إن معركة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل هي قبل ذلك معركة وعي. والوعي لا يُبنى بالصوت العالي، ولا بالشتائم، ولا بتشويه الشخصيات أو استخدام أدوات مثل الذكاء الاصطناعي في التضليل، بل بالحجة، وبالقدرة على تقديم خطاب متماسك قائم على المعرفة.
رابعًا: جذور الأزمات لا أعراضها
لا يمكن فهم ما يجري في المنطقة دون الإشارة إلى دور الكيان الإسرائيلي في تأجيج الصراعات، وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، بما يعطل أي مسار جدي نحو السلام العادل، ويُبقي القضايا الجوهرية—وفي مقدمتها القضية الفلسطينية—معلقة دون حل عادل وشامل.
خامسًا: الموقف ليس شعارًا
إن الموقف السياسي لا يُبنى على الانفعال، ولا على الاصطفاف اللحظي، بل على منظومة من المبادئ والأفكار. فليس كافيًا أن تقول إنك مع هذا الطرف أو ضد ذاك، ما لم يكن لديك أساس فكري واضح، وهوية سياسية متماسكة، ورؤية تنطلق من البعد الوطني والقومي والإنساني.
إن أخطر ما في زمننا هذا، ليس كثرة المعلومات، بل هشاشة الوعي الذي يتعامل معها. فالكلمة التي لا تستند إلى معرفة، قد تتحول إلى عبء، والموقف الذي لا يقوم على وعي، قد يصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.
في عصرٍ أصبحت فيه الكلمة سلاحًا، لم يعد السؤال: ماذا تقول؟ بل: هل تملك وعيًا يليق بما تقول؟
التعليقات