عمان جو - شارع واحد يفصل بين مدينتي رام الله والبيرة وسط الضفة الغربية، لكن إيقاع الحياة في مدينة البيرة مختلف عنه تمامًا؛ إذ تتنافس فيها ثلاث كتل على انتخابات المجلس البلدي، التي ستجري السبت المقبل.
أما في الجارة رام الله فأُعلن فوز قائمة واحدة بالتزكية، وهو ما دفع نشطاء كثيرين إلى القول إن التعددية غابت عن المدينة الأكثر تعددية، في واحدة من أبرز مفارقات الانتخابات البلدية التي من المتوقع أن تُعقد يوم السبت المقبل.
وبينما تستعد لجنة الانتخابات المركزية للتحضير لعملية الاقتراع في 183 هيئة محلية عبر 1922 محطة اقتراع في الضفة الغربية، فإن انتقادات كثيرة يوجهها نشطاء وحقوقيون لسير العملية ولحال الديمقراطية في فلسطين المحتلة..
وحسب الخبير في الانتخابات عارف جفال، فإن الانتخابات يُفترض أن تنعقد وفق النظام النسبي عبر قوائم حزبية، إلا أن المفارقة الأولى التي يرصدها تتمثل في أن الغالبية العظمى من القوائم قامت على أساس عشائري.
يقول: «هناك 62 قائمة حزبية من أصل 320 قائمة مقدمة، وذلك يعني أن القوائم الحزبية أقل من الثلث، أما القوائم التي نجحت بالتزكية، حيث جرت العادة أن يكون أكثرها من القوائم الحزبية، فإن أغلبها في هذه الانتخابات كان من القوائم العائلية، وبالتالي يمكن القول إن العائلية تصدرت المشهد».
60% تزكية
وتشير أرقام مؤسسات مجتمع مدني إلى أن نسبة التزكية في الانتخابات الحالية بلغت نحو 60%، مقارنة بـ50% في الانتخابات السابقة، وهو أمر عزته إلى «الشرط الإقصائي» الذي جرى التحذير منه منذ إقراره، والمتمثل في الالتزام بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية.
أما المسألة الثانية، والحديث لجفال، وهو مدير «مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات»، فتتمثل في وجود بعض القرى والبلدات التي حطمت أرقامًا قياسية من ناحية عدد القوائم المتنافسة، مثل بلدة يعبد غرب جنين، حيث تتنافس 12 قائمة، وكذلك في بلدة بيت كاحل في بيت لحم، حيث توجد 11 قائمة في البلدة الواحدة، «وهذا عدد غير مسبوق بصراحة».
وحول السبب في هذه الظواهر الجديدة، تابع جفال: «قد يكون السبب مرتبطًا بالنظام الانتخابي نفسه، ويبدو أن العائلات فهمت النظام على هذا المنوال، وبالتالي قررت أن تترشح».
والمفارقة الأخرى، حسب جفال، تمثلت في أن «العاصمة السياسية – رام الله – راحت تزكية»، وهي تعكس مفارقة كبيرة إلى جانب مدينة نابلس، «نحن هنا نتحدث عن مدينتين كبيرتين، وليس مدنًا فرعية، فرام الله التي يُنظر إليها على أنها أم التعددية السياسية، افتقدت إلى التعددية».
والمفارقة الأخرى تتمثل في أن الانتخابات السابقة حملت منافسة سياسية، وتحديدًا في المدن الرئيسية، وهي منافسة كانت بين «فتح» و»حماس»، وهو ما خلق تعددًا في القوائم وبرامجها، أما في هذه الانتخابات فإن «فتح» أصبحت تنافس «فتح»، سواء عبر قائمة رسمية أو عبر قوائم عائلية.
ويؤكد الخبير جفال، في حديث لـ»القدس العربي»، أن النتيجة الأكيدة تتمثل في أن «نظام الانتخابات فشل في التقليل من عدد قوائم حركة «فتح»، أو هذا ما كان يُؤمل منه، فنظام القائمة المفتوحة الذي نُظر إليه على أنه سيساعد الناخبين، وبالتالي ستكون هناك فرصة للمرشحين والمنافسين في الانتخابات ضمن القائمة نفسها، لم ينجح، لذلك نلحظ تعدد قوائم الحركة في أكثر من موقع، وهذا دليل على أن المشكلة لم تكن في القانون السابق».
المنافس الثاني
بما أن النظام الانتخابي جديد، والفترة الزمنية للتوعية والتعريف به كانت قصيرة جدًا في ظل قصر فترة التحضير للانتخابات، والحديث للخبير جفال، فإن المتوقع هو أن «ترتفع نسبة الأوراق اللاغية إلى ما بين 10% و15%، وهي نسبة غير مسبوقة، في ظل أن أعلى نسبة وصلنا إليها كانت 3%، ففي ظل نظام سابق بسيط كانت النسبة 3%، فكيف سيكون الحال مع نظام جديد ومعقد نوعًا ما، ولم يأخذ حقه في النقاش، وعُدل مرتين».
وتوقع أن تكون القائمة الأولى عائلية أو حزبية، أما القائمة الثانية التي تليها من حيث أعداد المصوتين اللاغية، فستكون قائمة «الأوراق اللاغية».
وأمام وجود بلدات بقوائم كبيرة، فإن المفارقة هذه المرة حملت مفاجآت من النوع الثقيل، ولعل أبرزها، حسب جفال، وجود 40 هيئة محلية لم تتقدم فيها أي قائمة بأي أسماء.
وأضاف: «هناك مدينة كبيرة مثل قلقيلية، وهناك بلديات أقل حجمًا مثل بلدية سلواد، قضاء رام الله، وهناك بلديات أقل عددًا مثل المزرعة الشرقية، وكلها لم يتقدم فيها أحد. كما أن هناك 38 هيئة تقدم فيها أفراد بعدد أقل من أفراد القائمة المطلوبة».
وحول مصير هذه المجالس، شدد على أن القانون الجديد ينص على التعيين المباشر من وزير الحكم المحلي، وهذه مفارقة أخرى، حيث أُضيفت مسؤولية جديدة إلى الوزير.
وحول البرامج الانتخابية، قال في نهاية حديثه إنها «طموحة للغاية وتتجاوز أربع سنوات لتحقيقها، هي «لت وعجن» وتكرار من المرات السابقة».
وخلص إلى أنه «كلما رفعنا الشعارات أكثر، أحبطنا الناخبين أكثر، وبالتالي تراجعت نسب المشاركة في الانتخابات المحلية، كما أن هناك غيابًا للدور المأمول في المرحلة الحالية للمجالس المحلية، سواء ما يتعلق بالمستوطنات أو ما يتعلق بحالات الفقر والبطالة، هناك غياب عن تلك الحاجات بشكل كبير، وكأننا ما زلنا نعيش ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر».
أسئلة مشروعة
ويرى الناشط المجتمعي والسياسي عمر منصور، من محافظة طوباس، أن الانتخابات المحلية الأخيرة تشهد جملة من الإشكاليات العميقة التي لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها تفاصيل هامشية، بل تمس جوهر العملية الديمقراطية برمتها، ولعل أبرزها الخلل الجوهري في قانون الانتخابات نفسه، الذي صدر بمرسوم رئاسي دون توافق وطني، حيث فُرض على المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية وقرارات «الشرعية الدولية».
ويقول منصور، في حديث لـ»القدس العربي»، إن الشرط السياسي، بصيغته الحالية، يُقصي فعليًا شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني وقوى سياسية متعددة، ويقيد التعددية التي يُفترض أن تشكل أساس أي نظام ديمقراطي حقيقي. والنقطة الثانية التي يتحدث عنها منصور تتعلق باشتراط الترشح ضمن قائمة كاملة، حيث يعدّ ذلك سببًا في تشكّل عائق إضافي أمام المشاركة، خصوصًا للمستقلين والمبادرات المحلية الناشئة، ويحدّ من فرص التنافس الحر، ويكرّس هيمنة القوى التقليدية القادرة على تشكيل قوائم مغلقة.
ويطرح منصور، على صعيد منهجية اتخاذ القرار، تساؤلات مشروعة، مثل: «هل جرى إشراك القوى السياسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة القانون أو تحديد موعد الانتخابات؟ أم أننا أمام قرارات تُفرض من أعلى دون حوار وطني حقيقي؟ إن تغييب الشراكة يفرغ العملية من مضمونها التمثيلي».
ويرى أن توقيت عقد الانتخابات مصدر إشكال كبير، إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، ووضع أمني متوتر في الأرض المحتلة، إضافة إلى الكارثة المستمرة في قطاع غزة. وكل ذلك ينعكس سلبًا على قدرة المرشحين على التحرك، وعلى نزاهة الدعاية الانتخابية، وعلى مزاج الناخب نفسه.
ويشدد على أنه في المرحلة التنفيذية، لا يمكن إغفال الضغوط التي مُورست على المرشحين، سواء من جانب الاحتلال أو من أطراف داخلية، ما يضع علامات استفهام جدية حول حرية الترشح وسلامة العملية برمتها.
عزوف عن المشاركة
وكنتيجة لكل ما سبق، ومع عزوف العديد من القوى السياسية عن المشاركة، يشدد منصور على بروز شكل مقلق من ظواهر العشائرية والتوافقات المغلقة، التي تحولت إلى بديل مشوّه للعملية الديمقراطية. «هذه التوافقات، وإن بدت حلولًا توافقية، إلا أنها في جوهرها التفاف «مقبول» على حق المواطن في الاختيار».
ويتساءل: هل الهدف تجديد الحياة الديمقراطية فعلًا، أم إعادة إنتاج الواقع القائم بأدوات مختلفة؟
ويشدد معتصم زايد، المدير التنفيذي لمؤسسة «مجتمعات محلية»، على أن «من يتابع الدعاية الانتخابية يدرك بوضوح أننا ما زلنا أسرى العصبية القبلية، نرفع الانتماء فوق الكفاءة، ونقدّم الولاء على النزاهة، ونتصرف بعقلية العشيرة لا بعقلية الدولة».
ويضيف في حديث مع «القدس العربي»: «الحقيقة الأكثر إيلامًا أن المجتمع والنظام السياسي الفلسطيني، بوضعهما الحالي، غير مهيأين لأي خطوة ديمقراطية حقيقية، فالفضاء العام مغلق بفعل التعصب، وهيمنة مراكز النفوذ، وتراكم أكثر من ثلاثين عامًا من الإخفاق السياسي والإداري، حتى أصبحت الانتخابات شكلًا بلا مضمون، والمشاركة فعلًا بلا أثر».
فـ»المشكلة لم تعد في السياسيين وحدهم، بل في منظومة قيم كاملة ما زالت تعيد إنتاج السلوك نفسه والخيارات نفسها».
وحول توقيت الانتخابات، يرى أن «اللحظة سيئة للغاية، وسيكون لها مردود سلبي على عمل الهيئات المحلية، وستتراجع بفعل النظام الانتخابي الذي عزز العشائرية والعائلة».
ولاحظ أن «الدعاية والمناظرات تعكسان مقدار ضعف المرشحين من حيث بنية القوائم وأعضائها، كما أن البرنامج الانتخابي ومضمونه والخبرة في العمل العام قليلة. أما الطروحات والحلول فكلها تقليدية». ويختم قائلا: «ثلثا القوائم نسخت برامجها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.. ماذا تتوقع من هكذا حالة».
عمان جو - شارع واحد يفصل بين مدينتي رام الله والبيرة وسط الضفة الغربية، لكن إيقاع الحياة في مدينة البيرة مختلف عنه تمامًا؛ إذ تتنافس فيها ثلاث كتل على انتخابات المجلس البلدي، التي ستجري السبت المقبل.
أما في الجارة رام الله فأُعلن فوز قائمة واحدة بالتزكية، وهو ما دفع نشطاء كثيرين إلى القول إن التعددية غابت عن المدينة الأكثر تعددية، في واحدة من أبرز مفارقات الانتخابات البلدية التي من المتوقع أن تُعقد يوم السبت المقبل.
وبينما تستعد لجنة الانتخابات المركزية للتحضير لعملية الاقتراع في 183 هيئة محلية عبر 1922 محطة اقتراع في الضفة الغربية، فإن انتقادات كثيرة يوجهها نشطاء وحقوقيون لسير العملية ولحال الديمقراطية في فلسطين المحتلة..
وحسب الخبير في الانتخابات عارف جفال، فإن الانتخابات يُفترض أن تنعقد وفق النظام النسبي عبر قوائم حزبية، إلا أن المفارقة الأولى التي يرصدها تتمثل في أن الغالبية العظمى من القوائم قامت على أساس عشائري.
يقول: «هناك 62 قائمة حزبية من أصل 320 قائمة مقدمة، وذلك يعني أن القوائم الحزبية أقل من الثلث، أما القوائم التي نجحت بالتزكية، حيث جرت العادة أن يكون أكثرها من القوائم الحزبية، فإن أغلبها في هذه الانتخابات كان من القوائم العائلية، وبالتالي يمكن القول إن العائلية تصدرت المشهد».
60% تزكية
وتشير أرقام مؤسسات مجتمع مدني إلى أن نسبة التزكية في الانتخابات الحالية بلغت نحو 60%، مقارنة بـ50% في الانتخابات السابقة، وهو أمر عزته إلى «الشرط الإقصائي» الذي جرى التحذير منه منذ إقراره، والمتمثل في الالتزام بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية.
أما المسألة الثانية، والحديث لجفال، وهو مدير «مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات»، فتتمثل في وجود بعض القرى والبلدات التي حطمت أرقامًا قياسية من ناحية عدد القوائم المتنافسة، مثل بلدة يعبد غرب جنين، حيث تتنافس 12 قائمة، وكذلك في بلدة بيت كاحل في بيت لحم، حيث توجد 11 قائمة في البلدة الواحدة، «وهذا عدد غير مسبوق بصراحة».
وحول السبب في هذه الظواهر الجديدة، تابع جفال: «قد يكون السبب مرتبطًا بالنظام الانتخابي نفسه، ويبدو أن العائلات فهمت النظام على هذا المنوال، وبالتالي قررت أن تترشح».
والمفارقة الأخرى، حسب جفال، تمثلت في أن «العاصمة السياسية – رام الله – راحت تزكية»، وهي تعكس مفارقة كبيرة إلى جانب مدينة نابلس، «نحن هنا نتحدث عن مدينتين كبيرتين، وليس مدنًا فرعية، فرام الله التي يُنظر إليها على أنها أم التعددية السياسية، افتقدت إلى التعددية».
والمفارقة الأخرى تتمثل في أن الانتخابات السابقة حملت منافسة سياسية، وتحديدًا في المدن الرئيسية، وهي منافسة كانت بين «فتح» و»حماس»، وهو ما خلق تعددًا في القوائم وبرامجها، أما في هذه الانتخابات فإن «فتح» أصبحت تنافس «فتح»، سواء عبر قائمة رسمية أو عبر قوائم عائلية.
ويؤكد الخبير جفال، في حديث لـ»القدس العربي»، أن النتيجة الأكيدة تتمثل في أن «نظام الانتخابات فشل في التقليل من عدد قوائم حركة «فتح»، أو هذا ما كان يُؤمل منه، فنظام القائمة المفتوحة الذي نُظر إليه على أنه سيساعد الناخبين، وبالتالي ستكون هناك فرصة للمرشحين والمنافسين في الانتخابات ضمن القائمة نفسها، لم ينجح، لذلك نلحظ تعدد قوائم الحركة في أكثر من موقع، وهذا دليل على أن المشكلة لم تكن في القانون السابق».
المنافس الثاني
بما أن النظام الانتخابي جديد، والفترة الزمنية للتوعية والتعريف به كانت قصيرة جدًا في ظل قصر فترة التحضير للانتخابات، والحديث للخبير جفال، فإن المتوقع هو أن «ترتفع نسبة الأوراق اللاغية إلى ما بين 10% و15%، وهي نسبة غير مسبوقة، في ظل أن أعلى نسبة وصلنا إليها كانت 3%، ففي ظل نظام سابق بسيط كانت النسبة 3%، فكيف سيكون الحال مع نظام جديد ومعقد نوعًا ما، ولم يأخذ حقه في النقاش، وعُدل مرتين».
وتوقع أن تكون القائمة الأولى عائلية أو حزبية، أما القائمة الثانية التي تليها من حيث أعداد المصوتين اللاغية، فستكون قائمة «الأوراق اللاغية».
وأمام وجود بلدات بقوائم كبيرة، فإن المفارقة هذه المرة حملت مفاجآت من النوع الثقيل، ولعل أبرزها، حسب جفال، وجود 40 هيئة محلية لم تتقدم فيها أي قائمة بأي أسماء.
وأضاف: «هناك مدينة كبيرة مثل قلقيلية، وهناك بلديات أقل حجمًا مثل بلدية سلواد، قضاء رام الله، وهناك بلديات أقل عددًا مثل المزرعة الشرقية، وكلها لم يتقدم فيها أحد. كما أن هناك 38 هيئة تقدم فيها أفراد بعدد أقل من أفراد القائمة المطلوبة».
وحول مصير هذه المجالس، شدد على أن القانون الجديد ينص على التعيين المباشر من وزير الحكم المحلي، وهذه مفارقة أخرى، حيث أُضيفت مسؤولية جديدة إلى الوزير.
وحول البرامج الانتخابية، قال في نهاية حديثه إنها «طموحة للغاية وتتجاوز أربع سنوات لتحقيقها، هي «لت وعجن» وتكرار من المرات السابقة».
وخلص إلى أنه «كلما رفعنا الشعارات أكثر، أحبطنا الناخبين أكثر، وبالتالي تراجعت نسب المشاركة في الانتخابات المحلية، كما أن هناك غيابًا للدور المأمول في المرحلة الحالية للمجالس المحلية، سواء ما يتعلق بالمستوطنات أو ما يتعلق بحالات الفقر والبطالة، هناك غياب عن تلك الحاجات بشكل كبير، وكأننا ما زلنا نعيش ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر».
أسئلة مشروعة
ويرى الناشط المجتمعي والسياسي عمر منصور، من محافظة طوباس، أن الانتخابات المحلية الأخيرة تشهد جملة من الإشكاليات العميقة التي لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها تفاصيل هامشية، بل تمس جوهر العملية الديمقراطية برمتها، ولعل أبرزها الخلل الجوهري في قانون الانتخابات نفسه، الذي صدر بمرسوم رئاسي دون توافق وطني، حيث فُرض على المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية وقرارات «الشرعية الدولية».
ويقول منصور، في حديث لـ»القدس العربي»، إن الشرط السياسي، بصيغته الحالية، يُقصي فعليًا شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني وقوى سياسية متعددة، ويقيد التعددية التي يُفترض أن تشكل أساس أي نظام ديمقراطي حقيقي. والنقطة الثانية التي يتحدث عنها منصور تتعلق باشتراط الترشح ضمن قائمة كاملة، حيث يعدّ ذلك سببًا في تشكّل عائق إضافي أمام المشاركة، خصوصًا للمستقلين والمبادرات المحلية الناشئة، ويحدّ من فرص التنافس الحر، ويكرّس هيمنة القوى التقليدية القادرة على تشكيل قوائم مغلقة.
ويطرح منصور، على صعيد منهجية اتخاذ القرار، تساؤلات مشروعة، مثل: «هل جرى إشراك القوى السياسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة القانون أو تحديد موعد الانتخابات؟ أم أننا أمام قرارات تُفرض من أعلى دون حوار وطني حقيقي؟ إن تغييب الشراكة يفرغ العملية من مضمونها التمثيلي».
ويرى أن توقيت عقد الانتخابات مصدر إشكال كبير، إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، ووضع أمني متوتر في الأرض المحتلة، إضافة إلى الكارثة المستمرة في قطاع غزة. وكل ذلك ينعكس سلبًا على قدرة المرشحين على التحرك، وعلى نزاهة الدعاية الانتخابية، وعلى مزاج الناخب نفسه.
ويشدد على أنه في المرحلة التنفيذية، لا يمكن إغفال الضغوط التي مُورست على المرشحين، سواء من جانب الاحتلال أو من أطراف داخلية، ما يضع علامات استفهام جدية حول حرية الترشح وسلامة العملية برمتها.
عزوف عن المشاركة
وكنتيجة لكل ما سبق، ومع عزوف العديد من القوى السياسية عن المشاركة، يشدد منصور على بروز شكل مقلق من ظواهر العشائرية والتوافقات المغلقة، التي تحولت إلى بديل مشوّه للعملية الديمقراطية. «هذه التوافقات، وإن بدت حلولًا توافقية، إلا أنها في جوهرها التفاف «مقبول» على حق المواطن في الاختيار».
ويتساءل: هل الهدف تجديد الحياة الديمقراطية فعلًا، أم إعادة إنتاج الواقع القائم بأدوات مختلفة؟
ويشدد معتصم زايد، المدير التنفيذي لمؤسسة «مجتمعات محلية»، على أن «من يتابع الدعاية الانتخابية يدرك بوضوح أننا ما زلنا أسرى العصبية القبلية، نرفع الانتماء فوق الكفاءة، ونقدّم الولاء على النزاهة، ونتصرف بعقلية العشيرة لا بعقلية الدولة».
ويضيف في حديث مع «القدس العربي»: «الحقيقة الأكثر إيلامًا أن المجتمع والنظام السياسي الفلسطيني، بوضعهما الحالي، غير مهيأين لأي خطوة ديمقراطية حقيقية، فالفضاء العام مغلق بفعل التعصب، وهيمنة مراكز النفوذ، وتراكم أكثر من ثلاثين عامًا من الإخفاق السياسي والإداري، حتى أصبحت الانتخابات شكلًا بلا مضمون، والمشاركة فعلًا بلا أثر».
فـ»المشكلة لم تعد في السياسيين وحدهم، بل في منظومة قيم كاملة ما زالت تعيد إنتاج السلوك نفسه والخيارات نفسها».
وحول توقيت الانتخابات، يرى أن «اللحظة سيئة للغاية، وسيكون لها مردود سلبي على عمل الهيئات المحلية، وستتراجع بفعل النظام الانتخابي الذي عزز العشائرية والعائلة».
ولاحظ أن «الدعاية والمناظرات تعكسان مقدار ضعف المرشحين من حيث بنية القوائم وأعضائها، كما أن البرنامج الانتخابي ومضمونه والخبرة في العمل العام قليلة. أما الطروحات والحلول فكلها تقليدية». ويختم قائلا: «ثلثا القوائم نسخت برامجها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.. ماذا تتوقع من هكذا حالة».
عمان جو - شارع واحد يفصل بين مدينتي رام الله والبيرة وسط الضفة الغربية، لكن إيقاع الحياة في مدينة البيرة مختلف عنه تمامًا؛ إذ تتنافس فيها ثلاث كتل على انتخابات المجلس البلدي، التي ستجري السبت المقبل.
أما في الجارة رام الله فأُعلن فوز قائمة واحدة بالتزكية، وهو ما دفع نشطاء كثيرين إلى القول إن التعددية غابت عن المدينة الأكثر تعددية، في واحدة من أبرز مفارقات الانتخابات البلدية التي من المتوقع أن تُعقد يوم السبت المقبل.
وبينما تستعد لجنة الانتخابات المركزية للتحضير لعملية الاقتراع في 183 هيئة محلية عبر 1922 محطة اقتراع في الضفة الغربية، فإن انتقادات كثيرة يوجهها نشطاء وحقوقيون لسير العملية ولحال الديمقراطية في فلسطين المحتلة..
وحسب الخبير في الانتخابات عارف جفال، فإن الانتخابات يُفترض أن تنعقد وفق النظام النسبي عبر قوائم حزبية، إلا أن المفارقة الأولى التي يرصدها تتمثل في أن الغالبية العظمى من القوائم قامت على أساس عشائري.
يقول: «هناك 62 قائمة حزبية من أصل 320 قائمة مقدمة، وذلك يعني أن القوائم الحزبية أقل من الثلث، أما القوائم التي نجحت بالتزكية، حيث جرت العادة أن يكون أكثرها من القوائم الحزبية، فإن أغلبها في هذه الانتخابات كان من القوائم العائلية، وبالتالي يمكن القول إن العائلية تصدرت المشهد».
60% تزكية
وتشير أرقام مؤسسات مجتمع مدني إلى أن نسبة التزكية في الانتخابات الحالية بلغت نحو 60%، مقارنة بـ50% في الانتخابات السابقة، وهو أمر عزته إلى «الشرط الإقصائي» الذي جرى التحذير منه منذ إقراره، والمتمثل في الالتزام بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية.
أما المسألة الثانية، والحديث لجفال، وهو مدير «مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات»، فتتمثل في وجود بعض القرى والبلدات التي حطمت أرقامًا قياسية من ناحية عدد القوائم المتنافسة، مثل بلدة يعبد غرب جنين، حيث تتنافس 12 قائمة، وكذلك في بلدة بيت كاحل في بيت لحم، حيث توجد 11 قائمة في البلدة الواحدة، «وهذا عدد غير مسبوق بصراحة».
وحول السبب في هذه الظواهر الجديدة، تابع جفال: «قد يكون السبب مرتبطًا بالنظام الانتخابي نفسه، ويبدو أن العائلات فهمت النظام على هذا المنوال، وبالتالي قررت أن تترشح».
والمفارقة الأخرى، حسب جفال، تمثلت في أن «العاصمة السياسية – رام الله – راحت تزكية»، وهي تعكس مفارقة كبيرة إلى جانب مدينة نابلس، «نحن هنا نتحدث عن مدينتين كبيرتين، وليس مدنًا فرعية، فرام الله التي يُنظر إليها على أنها أم التعددية السياسية، افتقدت إلى التعددية».
والمفارقة الأخرى تتمثل في أن الانتخابات السابقة حملت منافسة سياسية، وتحديدًا في المدن الرئيسية، وهي منافسة كانت بين «فتح» و»حماس»، وهو ما خلق تعددًا في القوائم وبرامجها، أما في هذه الانتخابات فإن «فتح» أصبحت تنافس «فتح»، سواء عبر قائمة رسمية أو عبر قوائم عائلية.
ويؤكد الخبير جفال، في حديث لـ»القدس العربي»، أن النتيجة الأكيدة تتمثل في أن «نظام الانتخابات فشل في التقليل من عدد قوائم حركة «فتح»، أو هذا ما كان يُؤمل منه، فنظام القائمة المفتوحة الذي نُظر إليه على أنه سيساعد الناخبين، وبالتالي ستكون هناك فرصة للمرشحين والمنافسين في الانتخابات ضمن القائمة نفسها، لم ينجح، لذلك نلحظ تعدد قوائم الحركة في أكثر من موقع، وهذا دليل على أن المشكلة لم تكن في القانون السابق».
المنافس الثاني
بما أن النظام الانتخابي جديد، والفترة الزمنية للتوعية والتعريف به كانت قصيرة جدًا في ظل قصر فترة التحضير للانتخابات، والحديث للخبير جفال، فإن المتوقع هو أن «ترتفع نسبة الأوراق اللاغية إلى ما بين 10% و15%، وهي نسبة غير مسبوقة، في ظل أن أعلى نسبة وصلنا إليها كانت 3%، ففي ظل نظام سابق بسيط كانت النسبة 3%، فكيف سيكون الحال مع نظام جديد ومعقد نوعًا ما، ولم يأخذ حقه في النقاش، وعُدل مرتين».
وتوقع أن تكون القائمة الأولى عائلية أو حزبية، أما القائمة الثانية التي تليها من حيث أعداد المصوتين اللاغية، فستكون قائمة «الأوراق اللاغية».
وأمام وجود بلدات بقوائم كبيرة، فإن المفارقة هذه المرة حملت مفاجآت من النوع الثقيل، ولعل أبرزها، حسب جفال، وجود 40 هيئة محلية لم تتقدم فيها أي قائمة بأي أسماء.
وأضاف: «هناك مدينة كبيرة مثل قلقيلية، وهناك بلديات أقل حجمًا مثل بلدية سلواد، قضاء رام الله، وهناك بلديات أقل عددًا مثل المزرعة الشرقية، وكلها لم يتقدم فيها أحد. كما أن هناك 38 هيئة تقدم فيها أفراد بعدد أقل من أفراد القائمة المطلوبة».
وحول مصير هذه المجالس، شدد على أن القانون الجديد ينص على التعيين المباشر من وزير الحكم المحلي، وهذه مفارقة أخرى، حيث أُضيفت مسؤولية جديدة إلى الوزير.
وحول البرامج الانتخابية، قال في نهاية حديثه إنها «طموحة للغاية وتتجاوز أربع سنوات لتحقيقها، هي «لت وعجن» وتكرار من المرات السابقة».
وخلص إلى أنه «كلما رفعنا الشعارات أكثر، أحبطنا الناخبين أكثر، وبالتالي تراجعت نسب المشاركة في الانتخابات المحلية، كما أن هناك غيابًا للدور المأمول في المرحلة الحالية للمجالس المحلية، سواء ما يتعلق بالمستوطنات أو ما يتعلق بحالات الفقر والبطالة، هناك غياب عن تلك الحاجات بشكل كبير، وكأننا ما زلنا نعيش ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر».
أسئلة مشروعة
ويرى الناشط المجتمعي والسياسي عمر منصور، من محافظة طوباس، أن الانتخابات المحلية الأخيرة تشهد جملة من الإشكاليات العميقة التي لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها تفاصيل هامشية، بل تمس جوهر العملية الديمقراطية برمتها، ولعل أبرزها الخلل الجوهري في قانون الانتخابات نفسه، الذي صدر بمرسوم رئاسي دون توافق وطني، حيث فُرض على المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية وقرارات «الشرعية الدولية».
ويقول منصور، في حديث لـ»القدس العربي»، إن الشرط السياسي، بصيغته الحالية، يُقصي فعليًا شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني وقوى سياسية متعددة، ويقيد التعددية التي يُفترض أن تشكل أساس أي نظام ديمقراطي حقيقي. والنقطة الثانية التي يتحدث عنها منصور تتعلق باشتراط الترشح ضمن قائمة كاملة، حيث يعدّ ذلك سببًا في تشكّل عائق إضافي أمام المشاركة، خصوصًا للمستقلين والمبادرات المحلية الناشئة، ويحدّ من فرص التنافس الحر، ويكرّس هيمنة القوى التقليدية القادرة على تشكيل قوائم مغلقة.
ويطرح منصور، على صعيد منهجية اتخاذ القرار، تساؤلات مشروعة، مثل: «هل جرى إشراك القوى السياسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة القانون أو تحديد موعد الانتخابات؟ أم أننا أمام قرارات تُفرض من أعلى دون حوار وطني حقيقي؟ إن تغييب الشراكة يفرغ العملية من مضمونها التمثيلي».
ويرى أن توقيت عقد الانتخابات مصدر إشكال كبير، إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، ووضع أمني متوتر في الأرض المحتلة، إضافة إلى الكارثة المستمرة في قطاع غزة. وكل ذلك ينعكس سلبًا على قدرة المرشحين على التحرك، وعلى نزاهة الدعاية الانتخابية، وعلى مزاج الناخب نفسه.
ويشدد على أنه في المرحلة التنفيذية، لا يمكن إغفال الضغوط التي مُورست على المرشحين، سواء من جانب الاحتلال أو من أطراف داخلية، ما يضع علامات استفهام جدية حول حرية الترشح وسلامة العملية برمتها.
عزوف عن المشاركة
وكنتيجة لكل ما سبق، ومع عزوف العديد من القوى السياسية عن المشاركة، يشدد منصور على بروز شكل مقلق من ظواهر العشائرية والتوافقات المغلقة، التي تحولت إلى بديل مشوّه للعملية الديمقراطية. «هذه التوافقات، وإن بدت حلولًا توافقية، إلا أنها في جوهرها التفاف «مقبول» على حق المواطن في الاختيار».
ويتساءل: هل الهدف تجديد الحياة الديمقراطية فعلًا، أم إعادة إنتاج الواقع القائم بأدوات مختلفة؟
ويشدد معتصم زايد، المدير التنفيذي لمؤسسة «مجتمعات محلية»، على أن «من يتابع الدعاية الانتخابية يدرك بوضوح أننا ما زلنا أسرى العصبية القبلية، نرفع الانتماء فوق الكفاءة، ونقدّم الولاء على النزاهة، ونتصرف بعقلية العشيرة لا بعقلية الدولة».
ويضيف في حديث مع «القدس العربي»: «الحقيقة الأكثر إيلامًا أن المجتمع والنظام السياسي الفلسطيني، بوضعهما الحالي، غير مهيأين لأي خطوة ديمقراطية حقيقية، فالفضاء العام مغلق بفعل التعصب، وهيمنة مراكز النفوذ، وتراكم أكثر من ثلاثين عامًا من الإخفاق السياسي والإداري، حتى أصبحت الانتخابات شكلًا بلا مضمون، والمشاركة فعلًا بلا أثر».
فـ»المشكلة لم تعد في السياسيين وحدهم، بل في منظومة قيم كاملة ما زالت تعيد إنتاج السلوك نفسه والخيارات نفسها».
وحول توقيت الانتخابات، يرى أن «اللحظة سيئة للغاية، وسيكون لها مردود سلبي على عمل الهيئات المحلية، وستتراجع بفعل النظام الانتخابي الذي عزز العشائرية والعائلة».
ولاحظ أن «الدعاية والمناظرات تعكسان مقدار ضعف المرشحين من حيث بنية القوائم وأعضائها، كما أن البرنامج الانتخابي ومضمونه والخبرة في العمل العام قليلة. أما الطروحات والحلول فكلها تقليدية». ويختم قائلا: «ثلثا القوائم نسخت برامجها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.. ماذا تتوقع من هكذا حالة».
التعليقات