عمان جو-بقلم زيد أبو زيد
استرعى انتباهي، كما استرعى انتباه العالم بأسره، ذلك المشهدُ المُلتَبِسُ في تمديد وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث مضت مهلة الأسبوعين، فإذا بالقرار يُمدَّد دون سقفٍ زمنيٍّ محدد، وكأنّ الزمن ذاته قد أُدخِلَ في دائرة التفاوض.
وقد جاء حديثُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعكس صورةً ضبابية عن المشهد، مشيرًا إلى تناقضاتٍ داخلية في الجانب الإيراني تعيق اتخاذ قرار واضح بشأن جولةٍ جديدة من المفاوضات، وما يمكن أن يُطرَح فيها من ملفاتٍ شائكةٍ ومعقّدة.
لقد باتت طاولة التفاوض، التي يُفترض أن تُعقَد في إسلام آباد، مُثقَلَةً بملفاتٍ تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والأمن بالاقتصاد؛ من الملف النووي الإيراني، إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مرورًا بمضيق هرمز، والعقوبات، والأموال المجمدة، وصولًا إلى قضايا الأسرى وبوادر حسن النية، وانتهاءً بدور الحلفاء الإقليميين لإيران.
لكن، وفي خضمّ هذا التعقيد، يبرز سؤالٌ أكثر عمقًا:
لماذا يُعلِن كلُّ طرفٍ انتصارَه، حتى حين تتشابه الخسائر وتختلف الروايات؟
إنّ مفهوم النصر والهزيمة ليس حقيقةً مطلقة، بل هو ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ سرديّةٌ تُكتَب بمداد السياسة لا بميزان الواقع.
فعند العودة إلى حرب 1948، بدا النصر واضحًا لا لبس فيه؛ إذ تمكّنت إسرائيل حديثة النشأة من تثبيت وجودها على الأرض، في مشهدٍ لم يستطع أحدٌ إعادة تأويله.
ثم جاء العدوان الثلاثي 1956، حيث أعلن الزعيم جمال عبد الناصر النصر، رغم الخسائر، لأن بقاء القرار الوطني واستعادة السيطرة على قناة السويس كانا كافيين لصياغة رواية الانتصار.
أما في حرب 1967، فقد كانت الهزيمة صريحةً كالشمس؛ سقطت الأرض، وتكشّفت الحقيقة، واعترف بها الجميع دون مواربة.
غير أن المشهد عاد أكثر تعقيدًا في حرب أكتوبر 1973، حيث تقاطعت البدايات مع النهايات، واختلفت الروايات بين من رأى العبور نصرًا، ومن رأى المآلات تفوّقًا إسرائيليًا.
وفي اجتياح لبنان 1982، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية نصرها بالخروج “بكرامة”، رغم قسوة المشهد، في تعريفٍ جديدٍ للنصر، لا يقاس بالأرض بل بالرمزية.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، حيث أعلن الطرفان الانتصار، وكأنّ الحرب انتهت بلا غالبٍ ولا مغلوب، بل بروايتين متوازيتين لا تلتقيان.
وفي المقابل، بدت نتائج حرب الخليج 1991 وغزو العراق 2003 أكثر وضوحًا، حيث فرضت الوقائع نفسها دون حاجةٍ إلى تأويلٍ بلاغي.
واليوم، يتكرر المشهد في الصراع الراهن؛ فإيران ترى أنّ بقاء النظام انتصار، بينما ترى الولايات المتحدة أنّ تحقيق الأهداف الاستراتيجية هو النصر بعينه.
وهنا، تتحول الحقيقة إلى مرآةٍ مُنكسرة، يرى كلُّ طرفٍ فيها صورته كما يريد، لا كما هي.
في المشهد الراهن، لا يمكن القفز فوق حقيقةٍ باتت أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى؛ وهي أنّ كُلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تُصرّان على تقديم روايتين متناقضتين تمامًا مع واقعٍ مُثقلٍ بالخسائر.
فالقيادة الأمريكية، كما القيادة الإيرانية، تُحاولان صياغة “نصرٍ سياسيٍّ” في خطاباتهما، بينما تتكشّف على الأرض مؤشراتُ خسارةٍ لا تخطئها عين؛ إذ تلقّى الاقتصاد العالمي ضرباتٍ موجعة، وتعرّضت سلاسل التوريد لاختناقاتٍ حادّة، في ظلّ التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي لم يعد مجرّد ممرٍّ مائي، بل أصبح أداة ضغطٍ اقتصاديٍّ واستراتيجي.
لقد اتخذت إيران مسار التصعيد الاقتصادي، من خلال إجراءاتٍ مست السفن العابرة، وأعادت رسم معادلة الردع في هذا الممرّ الحيوي، في حين ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في تعميق الأزمة عبر تضييق الخناق على الموانئ والسفن الإيرانية، لتتحول المواجهة من صراعٍ عسكريٍّ مباشر إلى حرب استنزافٍ اقتصاديةٍ مفتوحة.
وهنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
هل تُقاس الخسارة بما لحق بأسواق المال، والعملات، وأسعار النفط، وسلاسل الغذاء والمواد الخام؟
أم بما أصاب إيران من استنزافٍ طال قياداتٍ سياسيةً وعسكريةً وعلمية، وشكّل نزيفًا في بنيتها الداخلية؟
إنّ الحقيقة التي لا يمكن تزييفها، مهما تعددت الروايات، هي أنّ معايير النصر والهزيمة لم تعد أحادية البعد؛ فكلُّ طرفٍ يُعرّف الخسارة وفق ما يريد أن يُخفيه، ويُعرّف النصر وفق ما يريد أن يُظهره.
غير أنّ القراءة المتجردة تُفضي إلى نتيجةٍ أكثر بساطةً وأشدّ قسوة:
أنّ الجميع خاسرٌ في هذه الحروب، وإن اختلفت درجات الخسارة وأشكالها.
فِي الحُرُوبِ، قَدْ يَخْتَلِفُ مِيزَانُ الرِّوَايَةِ… وَلَكِنَّ مِيزَانَ الإِنْسَانِ يَبْقَى وَاحِدًا: كُلُّ حَرْبٍ خَسَارَةٌ، وَكُلُّ نَصْرٍ مُؤَجَّلٌ حَتَّى يَحْضُرَ السَّلَامُ.
عمان جو-بقلم زيد أبو زيد
استرعى انتباهي، كما استرعى انتباه العالم بأسره، ذلك المشهدُ المُلتَبِسُ في تمديد وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث مضت مهلة الأسبوعين، فإذا بالقرار يُمدَّد دون سقفٍ زمنيٍّ محدد، وكأنّ الزمن ذاته قد أُدخِلَ في دائرة التفاوض.
وقد جاء حديثُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعكس صورةً ضبابية عن المشهد، مشيرًا إلى تناقضاتٍ داخلية في الجانب الإيراني تعيق اتخاذ قرار واضح بشأن جولةٍ جديدة من المفاوضات، وما يمكن أن يُطرَح فيها من ملفاتٍ شائكةٍ ومعقّدة.
لقد باتت طاولة التفاوض، التي يُفترض أن تُعقَد في إسلام آباد، مُثقَلَةً بملفاتٍ تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والأمن بالاقتصاد؛ من الملف النووي الإيراني، إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مرورًا بمضيق هرمز، والعقوبات، والأموال المجمدة، وصولًا إلى قضايا الأسرى وبوادر حسن النية، وانتهاءً بدور الحلفاء الإقليميين لإيران.
لكن، وفي خضمّ هذا التعقيد، يبرز سؤالٌ أكثر عمقًا:
لماذا يُعلِن كلُّ طرفٍ انتصارَه، حتى حين تتشابه الخسائر وتختلف الروايات؟
إنّ مفهوم النصر والهزيمة ليس حقيقةً مطلقة، بل هو ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ سرديّةٌ تُكتَب بمداد السياسة لا بميزان الواقع.
فعند العودة إلى حرب 1948، بدا النصر واضحًا لا لبس فيه؛ إذ تمكّنت إسرائيل حديثة النشأة من تثبيت وجودها على الأرض، في مشهدٍ لم يستطع أحدٌ إعادة تأويله.
ثم جاء العدوان الثلاثي 1956، حيث أعلن الزعيم جمال عبد الناصر النصر، رغم الخسائر، لأن بقاء القرار الوطني واستعادة السيطرة على قناة السويس كانا كافيين لصياغة رواية الانتصار.
أما في حرب 1967، فقد كانت الهزيمة صريحةً كالشمس؛ سقطت الأرض، وتكشّفت الحقيقة، واعترف بها الجميع دون مواربة.
غير أن المشهد عاد أكثر تعقيدًا في حرب أكتوبر 1973، حيث تقاطعت البدايات مع النهايات، واختلفت الروايات بين من رأى العبور نصرًا، ومن رأى المآلات تفوّقًا إسرائيليًا.
وفي اجتياح لبنان 1982، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية نصرها بالخروج “بكرامة”، رغم قسوة المشهد، في تعريفٍ جديدٍ للنصر، لا يقاس بالأرض بل بالرمزية.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، حيث أعلن الطرفان الانتصار، وكأنّ الحرب انتهت بلا غالبٍ ولا مغلوب، بل بروايتين متوازيتين لا تلتقيان.
وفي المقابل، بدت نتائج حرب الخليج 1991 وغزو العراق 2003 أكثر وضوحًا، حيث فرضت الوقائع نفسها دون حاجةٍ إلى تأويلٍ بلاغي.
واليوم، يتكرر المشهد في الصراع الراهن؛ فإيران ترى أنّ بقاء النظام انتصار، بينما ترى الولايات المتحدة أنّ تحقيق الأهداف الاستراتيجية هو النصر بعينه.
وهنا، تتحول الحقيقة إلى مرآةٍ مُنكسرة، يرى كلُّ طرفٍ فيها صورته كما يريد، لا كما هي.
في المشهد الراهن، لا يمكن القفز فوق حقيقةٍ باتت أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى؛ وهي أنّ كُلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تُصرّان على تقديم روايتين متناقضتين تمامًا مع واقعٍ مُثقلٍ بالخسائر.
فالقيادة الأمريكية، كما القيادة الإيرانية، تُحاولان صياغة “نصرٍ سياسيٍّ” في خطاباتهما، بينما تتكشّف على الأرض مؤشراتُ خسارةٍ لا تخطئها عين؛ إذ تلقّى الاقتصاد العالمي ضرباتٍ موجعة، وتعرّضت سلاسل التوريد لاختناقاتٍ حادّة، في ظلّ التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي لم يعد مجرّد ممرٍّ مائي، بل أصبح أداة ضغطٍ اقتصاديٍّ واستراتيجي.
لقد اتخذت إيران مسار التصعيد الاقتصادي، من خلال إجراءاتٍ مست السفن العابرة، وأعادت رسم معادلة الردع في هذا الممرّ الحيوي، في حين ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في تعميق الأزمة عبر تضييق الخناق على الموانئ والسفن الإيرانية، لتتحول المواجهة من صراعٍ عسكريٍّ مباشر إلى حرب استنزافٍ اقتصاديةٍ مفتوحة.
وهنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
هل تُقاس الخسارة بما لحق بأسواق المال، والعملات، وأسعار النفط، وسلاسل الغذاء والمواد الخام؟
أم بما أصاب إيران من استنزافٍ طال قياداتٍ سياسيةً وعسكريةً وعلمية، وشكّل نزيفًا في بنيتها الداخلية؟
إنّ الحقيقة التي لا يمكن تزييفها، مهما تعددت الروايات، هي أنّ معايير النصر والهزيمة لم تعد أحادية البعد؛ فكلُّ طرفٍ يُعرّف الخسارة وفق ما يريد أن يُخفيه، ويُعرّف النصر وفق ما يريد أن يُظهره.
غير أنّ القراءة المتجردة تُفضي إلى نتيجةٍ أكثر بساطةً وأشدّ قسوة:
أنّ الجميع خاسرٌ في هذه الحروب، وإن اختلفت درجات الخسارة وأشكالها.
فِي الحُرُوبِ، قَدْ يَخْتَلِفُ مِيزَانُ الرِّوَايَةِ… وَلَكِنَّ مِيزَانَ الإِنْسَانِ يَبْقَى وَاحِدًا: كُلُّ حَرْبٍ خَسَارَةٌ، وَكُلُّ نَصْرٍ مُؤَجَّلٌ حَتَّى يَحْضُرَ السَّلَامُ.
عمان جو-بقلم زيد أبو زيد
استرعى انتباهي، كما استرعى انتباه العالم بأسره، ذلك المشهدُ المُلتَبِسُ في تمديد وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث مضت مهلة الأسبوعين، فإذا بالقرار يُمدَّد دون سقفٍ زمنيٍّ محدد، وكأنّ الزمن ذاته قد أُدخِلَ في دائرة التفاوض.
وقد جاء حديثُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعكس صورةً ضبابية عن المشهد، مشيرًا إلى تناقضاتٍ داخلية في الجانب الإيراني تعيق اتخاذ قرار واضح بشأن جولةٍ جديدة من المفاوضات، وما يمكن أن يُطرَح فيها من ملفاتٍ شائكةٍ ومعقّدة.
لقد باتت طاولة التفاوض، التي يُفترض أن تُعقَد في إسلام آباد، مُثقَلَةً بملفاتٍ تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والأمن بالاقتصاد؛ من الملف النووي الإيراني، إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مرورًا بمضيق هرمز، والعقوبات، والأموال المجمدة، وصولًا إلى قضايا الأسرى وبوادر حسن النية، وانتهاءً بدور الحلفاء الإقليميين لإيران.
لكن، وفي خضمّ هذا التعقيد، يبرز سؤالٌ أكثر عمقًا:
لماذا يُعلِن كلُّ طرفٍ انتصارَه، حتى حين تتشابه الخسائر وتختلف الروايات؟
إنّ مفهوم النصر والهزيمة ليس حقيقةً مطلقة، بل هو ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ سرديّةٌ تُكتَب بمداد السياسة لا بميزان الواقع.
فعند العودة إلى حرب 1948، بدا النصر واضحًا لا لبس فيه؛ إذ تمكّنت إسرائيل حديثة النشأة من تثبيت وجودها على الأرض، في مشهدٍ لم يستطع أحدٌ إعادة تأويله.
ثم جاء العدوان الثلاثي 1956، حيث أعلن الزعيم جمال عبد الناصر النصر، رغم الخسائر، لأن بقاء القرار الوطني واستعادة السيطرة على قناة السويس كانا كافيين لصياغة رواية الانتصار.
أما في حرب 1967، فقد كانت الهزيمة صريحةً كالشمس؛ سقطت الأرض، وتكشّفت الحقيقة، واعترف بها الجميع دون مواربة.
غير أن المشهد عاد أكثر تعقيدًا في حرب أكتوبر 1973، حيث تقاطعت البدايات مع النهايات، واختلفت الروايات بين من رأى العبور نصرًا، ومن رأى المآلات تفوّقًا إسرائيليًا.
وفي اجتياح لبنان 1982، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية نصرها بالخروج “بكرامة”، رغم قسوة المشهد، في تعريفٍ جديدٍ للنصر، لا يقاس بالأرض بل بالرمزية.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، حيث أعلن الطرفان الانتصار، وكأنّ الحرب انتهت بلا غالبٍ ولا مغلوب، بل بروايتين متوازيتين لا تلتقيان.
وفي المقابل، بدت نتائج حرب الخليج 1991 وغزو العراق 2003 أكثر وضوحًا، حيث فرضت الوقائع نفسها دون حاجةٍ إلى تأويلٍ بلاغي.
واليوم، يتكرر المشهد في الصراع الراهن؛ فإيران ترى أنّ بقاء النظام انتصار، بينما ترى الولايات المتحدة أنّ تحقيق الأهداف الاستراتيجية هو النصر بعينه.
وهنا، تتحول الحقيقة إلى مرآةٍ مُنكسرة، يرى كلُّ طرفٍ فيها صورته كما يريد، لا كما هي.
في المشهد الراهن، لا يمكن القفز فوق حقيقةٍ باتت أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى؛ وهي أنّ كُلًّا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تُصرّان على تقديم روايتين متناقضتين تمامًا مع واقعٍ مُثقلٍ بالخسائر.
فالقيادة الأمريكية، كما القيادة الإيرانية، تُحاولان صياغة “نصرٍ سياسيٍّ” في خطاباتهما، بينما تتكشّف على الأرض مؤشراتُ خسارةٍ لا تخطئها عين؛ إذ تلقّى الاقتصاد العالمي ضرباتٍ موجعة، وتعرّضت سلاسل التوريد لاختناقاتٍ حادّة، في ظلّ التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي لم يعد مجرّد ممرٍّ مائي، بل أصبح أداة ضغطٍ اقتصاديٍّ واستراتيجي.
لقد اتخذت إيران مسار التصعيد الاقتصادي، من خلال إجراءاتٍ مست السفن العابرة، وأعادت رسم معادلة الردع في هذا الممرّ الحيوي، في حين ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في تعميق الأزمة عبر تضييق الخناق على الموانئ والسفن الإيرانية، لتتحول المواجهة من صراعٍ عسكريٍّ مباشر إلى حرب استنزافٍ اقتصاديةٍ مفتوحة.
وهنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
هل تُقاس الخسارة بما لحق بأسواق المال، والعملات، وأسعار النفط، وسلاسل الغذاء والمواد الخام؟
أم بما أصاب إيران من استنزافٍ طال قياداتٍ سياسيةً وعسكريةً وعلمية، وشكّل نزيفًا في بنيتها الداخلية؟
إنّ الحقيقة التي لا يمكن تزييفها، مهما تعددت الروايات، هي أنّ معايير النصر والهزيمة لم تعد أحادية البعد؛ فكلُّ طرفٍ يُعرّف الخسارة وفق ما يريد أن يُخفيه، ويُعرّف النصر وفق ما يريد أن يُظهره.
غير أنّ القراءة المتجردة تُفضي إلى نتيجةٍ أكثر بساطةً وأشدّ قسوة:
أنّ الجميع خاسرٌ في هذه الحروب، وإن اختلفت درجات الخسارة وأشكالها.
فِي الحُرُوبِ، قَدْ يَخْتَلِفُ مِيزَانُ الرِّوَايَةِ… وَلَكِنَّ مِيزَانَ الإِنْسَانِ يَبْقَى وَاحِدًا: كُلُّ حَرْبٍ خَسَارَةٌ، وَكُلُّ نَصْرٍ مُؤَجَّلٌ حَتَّى يَحْضُرَ السَّلَامُ.
التعليقات