عمان جو-رانا النمرات – لا تُفهم الرموز الوطنية الطبيعية بوصفها عناصر جمالية فحسب، بل باعتبارها امتدادًا لعلاقة عميقة تربط الإنسان ببيئته وتاريخه. وفي الحالة الأردنية، تمثل السوسنة السوداء مثالًا واضحًا على تحول نبات بري متوطن في بيئات محدودة إلى رمز وطني يحمل دلالات ثقافية وبيئية متداخلة، إذ تعكس السوسنة السوداء تنوع التضاريس والمناخ في المملكة، وتشكل في الوقت ذاته جزءًا من الخطاب الثقافي الذي يعزز الانتماء ويكرس الهوية الجمعية.
وانطلاقًا من هذا البعد التفسيري، تتقاطع القيمة العلمية مع الدلالة الرمزية، لتغدو هذه الزهرة نقطة التقاء بين الطبيعة والمعنى، وبين الوظيفة البيئية والبعد الثقافي، بما يعكس حضورها المتجذر في الذاكرة الوطنية بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية البيئية الأردنية.
وفي هذا السياق، قال مدير إدارة المناطق المحمية في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عامر الرفوع لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن اختيار الرموز الوطنية الطبيعية في الأردن يتم ضمن إطار علمي ومؤسسي متكامل، يستند إلى معايير بيئية دقيقة تشمل الأهمية البيئية للنوع وندرته وقيمته الرمزية، إضافة إلى وضعه الحفظي وقدرته على تمثيل الهوية الطبيعية الوطنية.
وأوضح أن السوسنة السوداء اكتسبت مكانتها بوصفها زهرة وطنية للأردن لما تتمتع به من ارتباط وثيق بالبيئات الطبيعية المحلية، فضلًا عن رمزيتها الوطنية والثقافية التي تعكس خصوصية الطبيعة الأردنية.
وأوضح أن الحفاظ على هذا النوع النباتي يعد جزءًا أساسيًا من جهود صون التنوع الحيوي في المملكة، لافتاً الى أن برامج الحماية تشمل صون مواقع الانتشار، والرصد العلمي الدوري، والإكثار في المشاتل، وإعادة زراعتها في البيئات الملائمة، بما يضمن استمرارية وجودها في طبيعتها الأصلية.
وأضاف أنه في إطار إدارة هذا المورد الطبيعي، يتم تنظيم الزيارات خلال موسم الإزهار وفق أسس مدروسة تحد من الأثر البيئي المباشر، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية هذا النوع، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الصون، بما يسهم في استدامة هذا المكون من الهوية البيئية الأردنية.
ومن الجانب العلمي، قال أستاذ علم تصنيف وبيئة النبات في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية الدكتور محمد الغرايبة، إن السوسنة السوداء تُصنف من النباتات المستوطنة و تتميز بانتشار جغرافي محدود، وتنتمي إلى مجموعة 'السوسن الملكي' (رويال إيرس) ذات الأزهار الكبيرة والألوان الداكنة.
وتضم هذه المجموعة خمسة أنواع رئيسية، بأسمائها العلمية، هي: السوسنة السوداء (Iris nigricans)، سوسنة البتراء (Iris petrana)، سوسنة بصرى (Iris bostrensis)، سوسنة ام قيس (Iris atropurpurea)، سوسنة جلعاد (Iris atrofusca).
وأوضح أن هذه الأنواع تتشابه في شكلها العام، لكنها تختلف في تفاصيل دقيقة تشمل هيئة الأوراق وترتيبها وبنية الجذور الأرضية، إضافة إلى خصائصها التشريحية، لافتًا إلى تدرج ألوانها بين البني والبنفسجي الداكن وصولًا إلى الأسود يجعل التمييز بينها اعتمادًا على اللون فقط أمرًا غير دقيق، خاصة لغير المختصين، ما يستدعي اللجوء إلى التحليل المورفولوجي الذي يدرس الشكل الخارجي للنبات وأجزائه مثل الأوراق والأزهار والساق والجذور، إلى جانب الدراسات الجزيئية عبر تحليل الحمض النووي.
وبيّن أن السوسنة السوداء نبات متوطن في الأردن وينمو ضمن نطاق جغرافي محدود، ما يفسر ندرتها، مع قدرتها على التكيف مع البيئات شبه الجافة وتحمل الظروف المناخية القاسية، الأمر الذي يمنحها أهمية علمية بوصفها مصدرًا وراثيًا لصفات مقاومة الجفاف ومؤشرًا لصحة النظم البيئية.
وأشار إلى أن اختيارها زهرة وطنية للأردن يعكس دلالات تجمع بين الجمال ومحدودية الانتشار، والقدرة على التكيف، بما يجسد خصوصية البيئة الأردنية.
وحول التحديات، أوضح الغرايبة أن أبرز التهديدات التي تواجهها تشمل الجمع الجائر والاتجار غير المشروع بها داخل الأردن وخارجه، إلى جانب الضغط السياحي خلال موسم الإزهار، ونشر مواقع انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المؤثرين والهواة، إضافة إلى تدهور الموائل الطبيعية نتيجة التوسع العمراني والرعي والتغير المناخي، فضلًا عن محدودية الوعي البيئي لدى بعض الزوار.
ودعا إلى تبني سياحة بيئية مستدامة تقوم على تنظيم حركة الزوار ضمن مسارات محددة، ومنع تداول مواقع انتشار النبات، وتعزيز التوعية البيئية، وتغليظ العقوبات على القطف والاتجار، إضافة إلى دعم برامج الإكثار وحفظ البذور وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، بما يسهم في صون هذا المكوّن النباتي واستدامته.
وفي الجانب البيئي التطبيقي، قال مدير مديرية حماية الطبيعة في وزارة البيئة، المهندس بلال قطيشات، إن السوسنة السوداء من النباتات النادرة ذات الأهمية الإيكولوجية، موضحًا أن الإيكولوجية تعني علم البيئة والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية وبيئاتها ودورها في حفظ التوازن البيئي.
وأضاف أن الزهرة تنمو ضمن نطاق جغرافي محدود في بلاد الشام، فيما يسجَّل في الأردن أكبر تجمع طبيعي لها، خصوصًا في مناطق شمال ووسط المملكة مثل مأدبا والكرك والطفيلة وجبال البلقاء، مشيرًا إلى أنها نبات بصلي معمر يتكيف مع الظروف شبه الجافة، ويزهر في فصل الربيع لفترة قصيرة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، وهي الفترة الحالية قبل أن يدخل في طور السكون خلال بقية العام.
وأكد قطيشات أن حماية هذا النوع تتطلب إدارة متكاملة تشمل تنظيم الحركة السياحية عبر مسارات محددة للحد من التأثير المباشر على تجمعاتها، وتعزيز برامج التوعية والإرشاد البيئي، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، لما لذلك من دور في رفع مستوى الرقابة والوعي.
ولفت إلى أهمية دعم منظومة الحماية عبر المحميات الطبيعية والحدائق النباتية، بما يضمن استدامة هذا المكوّن النباتي بوصفه جزءًا من التنوع الحيوي الوطني، والحفاظ عليه ضمن منظومة التوازن البيئي للأجيال القادمة.
وفي الإطار الثقافي، قال الناطق الإعلامي باسم وزارة الثقافة، الدكتور سالم الفقير ل( بترا)، إن توظيف السوسنة السوداء في تعزيز الهوية الوطنية يتم عبر شراكاتها مع الجهات المعنية، ولا سيما وزارة البيئة ووزارة الزراعة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، وذلك من خلال برامجها التنفيذية في المديريات المنتشرة في مختلف المحافظات، بما يشمل المخيمات الإبداعية والورش والأنشطة الثقافية التي تجمع المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وأضاف أن جهودها في نشر الوعي وحماية الرمز الوطني ضمن إطار السياحة الثقافية المستدامة تتضمن تنظيم دورات تدريبية، لا سيما في مجال التصوير الفوتوغرافي، وتنفيذ جولات ميدانية إلى المواقع التي تنمو فيها الزهرة الوطنية، بمشاركة المصورين والمهتمين، إلى جانب إبراز الرموز الوطنية في المناسبات والمشاركات المحلية والعربية، وإظهارها من خلال المعارض الوطنية والأجنحة الثقافية والتراثية.
وفي السياق الاجتماعي، قال أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتور مراد المواجدة، إن الرموز الوطنية تمثل وسيلة تعبير تعكس الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب، وتبرز ارتباط الإنسان ببيئته الطبيعية، مشيرًا إلى أن العناصر الطبيعية، ولا سيما النباتات والحيوانات، تتحول إلى دلالات رمزية تتجاوز بعدها المادي.
وأضاف أن بعض الرموز قد ترتبط بقيم تاريخية وثقافية أو تقاليد شعبية، فيما تسهم الدلالة الرمزية في تشكيل الوعي الجمعي، لما تحمله من مضامين جمالية ونفسية تعزز التفاعل مع الهوية الوطنية.
وأكد المواجدة أن حماية النباتات الطبيعية والنادرة تمثل استثمارًا في مستقبل الأجيال القادمة، وضمانًا لاستمرار التوازن البيئي واستدامة الحياة على كوكب الأرض، باعتبارها جزءًا من منظومة العلاقة بين الإنسان وبيئته.
عمان جو-رانا النمرات – لا تُفهم الرموز الوطنية الطبيعية بوصفها عناصر جمالية فحسب، بل باعتبارها امتدادًا لعلاقة عميقة تربط الإنسان ببيئته وتاريخه. وفي الحالة الأردنية، تمثل السوسنة السوداء مثالًا واضحًا على تحول نبات بري متوطن في بيئات محدودة إلى رمز وطني يحمل دلالات ثقافية وبيئية متداخلة، إذ تعكس السوسنة السوداء تنوع التضاريس والمناخ في المملكة، وتشكل في الوقت ذاته جزءًا من الخطاب الثقافي الذي يعزز الانتماء ويكرس الهوية الجمعية.
وانطلاقًا من هذا البعد التفسيري، تتقاطع القيمة العلمية مع الدلالة الرمزية، لتغدو هذه الزهرة نقطة التقاء بين الطبيعة والمعنى، وبين الوظيفة البيئية والبعد الثقافي، بما يعكس حضورها المتجذر في الذاكرة الوطنية بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية البيئية الأردنية.
وفي هذا السياق، قال مدير إدارة المناطق المحمية في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عامر الرفوع لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن اختيار الرموز الوطنية الطبيعية في الأردن يتم ضمن إطار علمي ومؤسسي متكامل، يستند إلى معايير بيئية دقيقة تشمل الأهمية البيئية للنوع وندرته وقيمته الرمزية، إضافة إلى وضعه الحفظي وقدرته على تمثيل الهوية الطبيعية الوطنية.
وأوضح أن السوسنة السوداء اكتسبت مكانتها بوصفها زهرة وطنية للأردن لما تتمتع به من ارتباط وثيق بالبيئات الطبيعية المحلية، فضلًا عن رمزيتها الوطنية والثقافية التي تعكس خصوصية الطبيعة الأردنية.
وأوضح أن الحفاظ على هذا النوع النباتي يعد جزءًا أساسيًا من جهود صون التنوع الحيوي في المملكة، لافتاً الى أن برامج الحماية تشمل صون مواقع الانتشار، والرصد العلمي الدوري، والإكثار في المشاتل، وإعادة زراعتها في البيئات الملائمة، بما يضمن استمرارية وجودها في طبيعتها الأصلية.
وأضاف أنه في إطار إدارة هذا المورد الطبيعي، يتم تنظيم الزيارات خلال موسم الإزهار وفق أسس مدروسة تحد من الأثر البيئي المباشر، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية هذا النوع، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الصون، بما يسهم في استدامة هذا المكون من الهوية البيئية الأردنية.
ومن الجانب العلمي، قال أستاذ علم تصنيف وبيئة النبات في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية الدكتور محمد الغرايبة، إن السوسنة السوداء تُصنف من النباتات المستوطنة و تتميز بانتشار جغرافي محدود، وتنتمي إلى مجموعة 'السوسن الملكي' (رويال إيرس) ذات الأزهار الكبيرة والألوان الداكنة.
وتضم هذه المجموعة خمسة أنواع رئيسية، بأسمائها العلمية، هي: السوسنة السوداء (Iris nigricans)، سوسنة البتراء (Iris petrana)، سوسنة بصرى (Iris bostrensis)، سوسنة ام قيس (Iris atropurpurea)، سوسنة جلعاد (Iris atrofusca).
وأوضح أن هذه الأنواع تتشابه في شكلها العام، لكنها تختلف في تفاصيل دقيقة تشمل هيئة الأوراق وترتيبها وبنية الجذور الأرضية، إضافة إلى خصائصها التشريحية، لافتًا إلى تدرج ألوانها بين البني والبنفسجي الداكن وصولًا إلى الأسود يجعل التمييز بينها اعتمادًا على اللون فقط أمرًا غير دقيق، خاصة لغير المختصين، ما يستدعي اللجوء إلى التحليل المورفولوجي الذي يدرس الشكل الخارجي للنبات وأجزائه مثل الأوراق والأزهار والساق والجذور، إلى جانب الدراسات الجزيئية عبر تحليل الحمض النووي.
وبيّن أن السوسنة السوداء نبات متوطن في الأردن وينمو ضمن نطاق جغرافي محدود، ما يفسر ندرتها، مع قدرتها على التكيف مع البيئات شبه الجافة وتحمل الظروف المناخية القاسية، الأمر الذي يمنحها أهمية علمية بوصفها مصدرًا وراثيًا لصفات مقاومة الجفاف ومؤشرًا لصحة النظم البيئية.
وأشار إلى أن اختيارها زهرة وطنية للأردن يعكس دلالات تجمع بين الجمال ومحدودية الانتشار، والقدرة على التكيف، بما يجسد خصوصية البيئة الأردنية.
وحول التحديات، أوضح الغرايبة أن أبرز التهديدات التي تواجهها تشمل الجمع الجائر والاتجار غير المشروع بها داخل الأردن وخارجه، إلى جانب الضغط السياحي خلال موسم الإزهار، ونشر مواقع انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المؤثرين والهواة، إضافة إلى تدهور الموائل الطبيعية نتيجة التوسع العمراني والرعي والتغير المناخي، فضلًا عن محدودية الوعي البيئي لدى بعض الزوار.
ودعا إلى تبني سياحة بيئية مستدامة تقوم على تنظيم حركة الزوار ضمن مسارات محددة، ومنع تداول مواقع انتشار النبات، وتعزيز التوعية البيئية، وتغليظ العقوبات على القطف والاتجار، إضافة إلى دعم برامج الإكثار وحفظ البذور وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، بما يسهم في صون هذا المكوّن النباتي واستدامته.
وفي الجانب البيئي التطبيقي، قال مدير مديرية حماية الطبيعة في وزارة البيئة، المهندس بلال قطيشات، إن السوسنة السوداء من النباتات النادرة ذات الأهمية الإيكولوجية، موضحًا أن الإيكولوجية تعني علم البيئة والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية وبيئاتها ودورها في حفظ التوازن البيئي.
وأضاف أن الزهرة تنمو ضمن نطاق جغرافي محدود في بلاد الشام، فيما يسجَّل في الأردن أكبر تجمع طبيعي لها، خصوصًا في مناطق شمال ووسط المملكة مثل مأدبا والكرك والطفيلة وجبال البلقاء، مشيرًا إلى أنها نبات بصلي معمر يتكيف مع الظروف شبه الجافة، ويزهر في فصل الربيع لفترة قصيرة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، وهي الفترة الحالية قبل أن يدخل في طور السكون خلال بقية العام.
وأكد قطيشات أن حماية هذا النوع تتطلب إدارة متكاملة تشمل تنظيم الحركة السياحية عبر مسارات محددة للحد من التأثير المباشر على تجمعاتها، وتعزيز برامج التوعية والإرشاد البيئي، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، لما لذلك من دور في رفع مستوى الرقابة والوعي.
ولفت إلى أهمية دعم منظومة الحماية عبر المحميات الطبيعية والحدائق النباتية، بما يضمن استدامة هذا المكوّن النباتي بوصفه جزءًا من التنوع الحيوي الوطني، والحفاظ عليه ضمن منظومة التوازن البيئي للأجيال القادمة.
وفي الإطار الثقافي، قال الناطق الإعلامي باسم وزارة الثقافة، الدكتور سالم الفقير ل( بترا)، إن توظيف السوسنة السوداء في تعزيز الهوية الوطنية يتم عبر شراكاتها مع الجهات المعنية، ولا سيما وزارة البيئة ووزارة الزراعة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، وذلك من خلال برامجها التنفيذية في المديريات المنتشرة في مختلف المحافظات، بما يشمل المخيمات الإبداعية والورش والأنشطة الثقافية التي تجمع المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وأضاف أن جهودها في نشر الوعي وحماية الرمز الوطني ضمن إطار السياحة الثقافية المستدامة تتضمن تنظيم دورات تدريبية، لا سيما في مجال التصوير الفوتوغرافي، وتنفيذ جولات ميدانية إلى المواقع التي تنمو فيها الزهرة الوطنية، بمشاركة المصورين والمهتمين، إلى جانب إبراز الرموز الوطنية في المناسبات والمشاركات المحلية والعربية، وإظهارها من خلال المعارض الوطنية والأجنحة الثقافية والتراثية.
وفي السياق الاجتماعي، قال أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتور مراد المواجدة، إن الرموز الوطنية تمثل وسيلة تعبير تعكس الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب، وتبرز ارتباط الإنسان ببيئته الطبيعية، مشيرًا إلى أن العناصر الطبيعية، ولا سيما النباتات والحيوانات، تتحول إلى دلالات رمزية تتجاوز بعدها المادي.
وأضاف أن بعض الرموز قد ترتبط بقيم تاريخية وثقافية أو تقاليد شعبية، فيما تسهم الدلالة الرمزية في تشكيل الوعي الجمعي، لما تحمله من مضامين جمالية ونفسية تعزز التفاعل مع الهوية الوطنية.
وأكد المواجدة أن حماية النباتات الطبيعية والنادرة تمثل استثمارًا في مستقبل الأجيال القادمة، وضمانًا لاستمرار التوازن البيئي واستدامة الحياة على كوكب الأرض، باعتبارها جزءًا من منظومة العلاقة بين الإنسان وبيئته.
عمان جو-رانا النمرات – لا تُفهم الرموز الوطنية الطبيعية بوصفها عناصر جمالية فحسب، بل باعتبارها امتدادًا لعلاقة عميقة تربط الإنسان ببيئته وتاريخه. وفي الحالة الأردنية، تمثل السوسنة السوداء مثالًا واضحًا على تحول نبات بري متوطن في بيئات محدودة إلى رمز وطني يحمل دلالات ثقافية وبيئية متداخلة، إذ تعكس السوسنة السوداء تنوع التضاريس والمناخ في المملكة، وتشكل في الوقت ذاته جزءًا من الخطاب الثقافي الذي يعزز الانتماء ويكرس الهوية الجمعية.
وانطلاقًا من هذا البعد التفسيري، تتقاطع القيمة العلمية مع الدلالة الرمزية، لتغدو هذه الزهرة نقطة التقاء بين الطبيعة والمعنى، وبين الوظيفة البيئية والبعد الثقافي، بما يعكس حضورها المتجذر في الذاكرة الوطنية بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية البيئية الأردنية.
وفي هذا السياق، قال مدير إدارة المناطق المحمية في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عامر الرفوع لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن اختيار الرموز الوطنية الطبيعية في الأردن يتم ضمن إطار علمي ومؤسسي متكامل، يستند إلى معايير بيئية دقيقة تشمل الأهمية البيئية للنوع وندرته وقيمته الرمزية، إضافة إلى وضعه الحفظي وقدرته على تمثيل الهوية الطبيعية الوطنية.
وأوضح أن السوسنة السوداء اكتسبت مكانتها بوصفها زهرة وطنية للأردن لما تتمتع به من ارتباط وثيق بالبيئات الطبيعية المحلية، فضلًا عن رمزيتها الوطنية والثقافية التي تعكس خصوصية الطبيعة الأردنية.
وأوضح أن الحفاظ على هذا النوع النباتي يعد جزءًا أساسيًا من جهود صون التنوع الحيوي في المملكة، لافتاً الى أن برامج الحماية تشمل صون مواقع الانتشار، والرصد العلمي الدوري، والإكثار في المشاتل، وإعادة زراعتها في البيئات الملائمة، بما يضمن استمرارية وجودها في طبيعتها الأصلية.
وأضاف أنه في إطار إدارة هذا المورد الطبيعي، يتم تنظيم الزيارات خلال موسم الإزهار وفق أسس مدروسة تحد من الأثر البيئي المباشر، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية هذا النوع، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الصون، بما يسهم في استدامة هذا المكون من الهوية البيئية الأردنية.
ومن الجانب العلمي، قال أستاذ علم تصنيف وبيئة النبات في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية الدكتور محمد الغرايبة، إن السوسنة السوداء تُصنف من النباتات المستوطنة و تتميز بانتشار جغرافي محدود، وتنتمي إلى مجموعة 'السوسن الملكي' (رويال إيرس) ذات الأزهار الكبيرة والألوان الداكنة.
وتضم هذه المجموعة خمسة أنواع رئيسية، بأسمائها العلمية، هي: السوسنة السوداء (Iris nigricans)، سوسنة البتراء (Iris petrana)، سوسنة بصرى (Iris bostrensis)، سوسنة ام قيس (Iris atropurpurea)، سوسنة جلعاد (Iris atrofusca).
وأوضح أن هذه الأنواع تتشابه في شكلها العام، لكنها تختلف في تفاصيل دقيقة تشمل هيئة الأوراق وترتيبها وبنية الجذور الأرضية، إضافة إلى خصائصها التشريحية، لافتًا إلى تدرج ألوانها بين البني والبنفسجي الداكن وصولًا إلى الأسود يجعل التمييز بينها اعتمادًا على اللون فقط أمرًا غير دقيق، خاصة لغير المختصين، ما يستدعي اللجوء إلى التحليل المورفولوجي الذي يدرس الشكل الخارجي للنبات وأجزائه مثل الأوراق والأزهار والساق والجذور، إلى جانب الدراسات الجزيئية عبر تحليل الحمض النووي.
وبيّن أن السوسنة السوداء نبات متوطن في الأردن وينمو ضمن نطاق جغرافي محدود، ما يفسر ندرتها، مع قدرتها على التكيف مع البيئات شبه الجافة وتحمل الظروف المناخية القاسية، الأمر الذي يمنحها أهمية علمية بوصفها مصدرًا وراثيًا لصفات مقاومة الجفاف ومؤشرًا لصحة النظم البيئية.
وأشار إلى أن اختيارها زهرة وطنية للأردن يعكس دلالات تجمع بين الجمال ومحدودية الانتشار، والقدرة على التكيف، بما يجسد خصوصية البيئة الأردنية.
وحول التحديات، أوضح الغرايبة أن أبرز التهديدات التي تواجهها تشمل الجمع الجائر والاتجار غير المشروع بها داخل الأردن وخارجه، إلى جانب الضغط السياحي خلال موسم الإزهار، ونشر مواقع انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المؤثرين والهواة، إضافة إلى تدهور الموائل الطبيعية نتيجة التوسع العمراني والرعي والتغير المناخي، فضلًا عن محدودية الوعي البيئي لدى بعض الزوار.
ودعا إلى تبني سياحة بيئية مستدامة تقوم على تنظيم حركة الزوار ضمن مسارات محددة، ومنع تداول مواقع انتشار النبات، وتعزيز التوعية البيئية، وتغليظ العقوبات على القطف والاتجار، إضافة إلى دعم برامج الإكثار وحفظ البذور وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، بما يسهم في صون هذا المكوّن النباتي واستدامته.
وفي الجانب البيئي التطبيقي، قال مدير مديرية حماية الطبيعة في وزارة البيئة، المهندس بلال قطيشات، إن السوسنة السوداء من النباتات النادرة ذات الأهمية الإيكولوجية، موضحًا أن الإيكولوجية تعني علم البيئة والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية وبيئاتها ودورها في حفظ التوازن البيئي.
وأضاف أن الزهرة تنمو ضمن نطاق جغرافي محدود في بلاد الشام، فيما يسجَّل في الأردن أكبر تجمع طبيعي لها، خصوصًا في مناطق شمال ووسط المملكة مثل مأدبا والكرك والطفيلة وجبال البلقاء، مشيرًا إلى أنها نبات بصلي معمر يتكيف مع الظروف شبه الجافة، ويزهر في فصل الربيع لفترة قصيرة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، وهي الفترة الحالية قبل أن يدخل في طور السكون خلال بقية العام.
وأكد قطيشات أن حماية هذا النوع تتطلب إدارة متكاملة تشمل تنظيم الحركة السياحية عبر مسارات محددة للحد من التأثير المباشر على تجمعاتها، وتعزيز برامج التوعية والإرشاد البيئي، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، لما لذلك من دور في رفع مستوى الرقابة والوعي.
ولفت إلى أهمية دعم منظومة الحماية عبر المحميات الطبيعية والحدائق النباتية، بما يضمن استدامة هذا المكوّن النباتي بوصفه جزءًا من التنوع الحيوي الوطني، والحفاظ عليه ضمن منظومة التوازن البيئي للأجيال القادمة.
وفي الإطار الثقافي، قال الناطق الإعلامي باسم وزارة الثقافة، الدكتور سالم الفقير ل( بترا)، إن توظيف السوسنة السوداء في تعزيز الهوية الوطنية يتم عبر شراكاتها مع الجهات المعنية، ولا سيما وزارة البيئة ووزارة الزراعة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، وذلك من خلال برامجها التنفيذية في المديريات المنتشرة في مختلف المحافظات، بما يشمل المخيمات الإبداعية والورش والأنشطة الثقافية التي تجمع المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وأضاف أن جهودها في نشر الوعي وحماية الرمز الوطني ضمن إطار السياحة الثقافية المستدامة تتضمن تنظيم دورات تدريبية، لا سيما في مجال التصوير الفوتوغرافي، وتنفيذ جولات ميدانية إلى المواقع التي تنمو فيها الزهرة الوطنية، بمشاركة المصورين والمهتمين، إلى جانب إبراز الرموز الوطنية في المناسبات والمشاركات المحلية والعربية، وإظهارها من خلال المعارض الوطنية والأجنحة الثقافية والتراثية.
وفي السياق الاجتماعي، قال أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتور مراد المواجدة، إن الرموز الوطنية تمثل وسيلة تعبير تعكس الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب، وتبرز ارتباط الإنسان ببيئته الطبيعية، مشيرًا إلى أن العناصر الطبيعية، ولا سيما النباتات والحيوانات، تتحول إلى دلالات رمزية تتجاوز بعدها المادي.
وأضاف أن بعض الرموز قد ترتبط بقيم تاريخية وثقافية أو تقاليد شعبية، فيما تسهم الدلالة الرمزية في تشكيل الوعي الجمعي، لما تحمله من مضامين جمالية ونفسية تعزز التفاعل مع الهوية الوطنية.
وأكد المواجدة أن حماية النباتات الطبيعية والنادرة تمثل استثمارًا في مستقبل الأجيال القادمة، وضمانًا لاستمرار التوازن البيئي واستدامة الحياة على كوكب الأرض، باعتبارها جزءًا من منظومة العلاقة بين الإنسان وبيئته.
التعليقات