إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

اختطاف مادورو يفضح “عجز” أوروبا ومعضلة المستشار الألماني ميرتس


عمان جو - في عملية خاطفة حبست أنفاس العالم وأعادت للأذهان حقبة الانقلابات العسكرية الخشنة، استيقظت العواصم الأوروبية على وقع خبر نزل كالصاعقة: قوات خاصة أمريكية تختطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قلب قصره الرئاسي، بينما وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزهواً أمام الكاميرات ليعلن “النصر”. وفي خضم هذا المشهد السينمائي، وجد المستشار الألماني فريدريش ميرتس نفسه محاصراً في زاوية ضيقة، يحاول فك شيفرة معضلة دبلوماسية قد تعصف بما تبقى من مصداقية القارة العجوز.

لم يجد المستشار ميرتس، الذي يقود ألمانيا في توقيت عالمي شديد الحساسية، سوى كلمة واحدة ليواري بها حيرة برلين: الوضع “معقد”. ففي تدوينة حذرة، حاول ميرتس مسك العصا من المنتصف؛ فهو من جهة لم يذرف دمعاً على مادورو الذي وصفه بأنه “قاد بلاده للهلاك”، ومن جهة أخرى لم يجرؤ على مباركة العملية الأمريكية التي تخرق بشكل صارخ مبدأ سيادة الدول، مكتفياً بالقول إن التقييم القانوني للعملية يحتاج إلى وقت، وإن المعيار يظل القانون الدولي. بحسب ما نشرت صحف ألمانية عدة تناولت رد الفعل الألماني المتواضع أمام الإرادة الأمريكي.

وبحسب مجلة شبيغل فإن هذا التلعثم الألماني والأوروبي يكشف عورة الموقف الغربي وازدواجية المعايير التي طالما انتقدتها دول الجنوب. فأوروبا التي أقامت الدنيا ولم تقعدها دفاعاً عن “سيادة أوكرانيا” ومبادئ القانون الدولي في وجه الدبابات الروسية، تقف اليوم عاجزة، بل وشبه صامتة، أمام انتهاك مماثل من قبل الحليف الأمريكي الأكبر. السبب معروف ولكنه غير معلن: الخشية من إغضاب ترامب المزاجي، وحاجة أوروبا الماسة للمظلة الأمنية الأمريكية داخل الناتو، والأمل في إبقاء واشنطن ملتزمة بدعم كييف.

لكن خلف الأبواب المغلقة، وفي أروقة البرلمانات، تعلو أصوات تحذر من أن العالم ينزلق نحو الهاوية. فرانسيسكا برانتنر، زعيمة حزب الخضر، خرجت عن النص الدبلوماسي ووصفت ما حدث بأنه فصل من كتب “الإمبريالية القديمة”. كلمات برانتنر لمجلة دير شبيغل كانت حادة كالسيف: مهاجمة دولة ذات سيادة دون سند قانوني، والتباهي أمام الكاميرات بالرغبة في الاستيلاء على نفط فنزويلا، هو عودة لسياسة القرصنة الدولية. التحذير الأخطر الذي أطلقته هو الخوف من أن تصبح هذه العملية سابقة، فإذا ساد منطق القوة، ما الذي سيمنع ترامب أو بوتين غداً من تكرار السيناريو في غرينلاند أو دول البلطيق؟

ونشرت القناة الإخبارية الألمانية الثانية أن المخاوف لم تقتصر على المعارضة، بل طالت شركاء ميرتس في بروكسل. رينيه ريباسي، الخبير القانوني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، سخر من وصف ميرتس للموقف بـ المعقد، مؤكداً أن الأمر بسيط للغاية: إنه خرق للقانون الدولي، والسكوت عنه يعني العودة إلى القرن التاسع عشر ونهاية النظام العالمي القائم على القواعد.

المشهد يزداد قتامة عند النظر إلى المصالح الاقتصادية المتشابكة. فنزويلا ليست مجرد دولة يحكمها نظام مارق في نظر الغرب، بل هي خزان نفط هائل، وتدور حولها شبكات معقدة من تجارة المخدرات والمصالح الجيوسياسية. وهناك همسات في برلين عن احتمالية وجود “صفقات سرية” تحت الطاولة بين واشنطن وموسكو، فرغم الغضب الروسي المعلن، تبقى لغة المصالح هي الأقوى.

وفيما يحاول ميرتس كسب الوقت بدراسة الموقف القانوني، يبدو أن أوروبا منقسمة على نفسها وتعيش حالة من التخبط. حتى اليمين المتطرف الأوروبي الذي طالما تغزل بموسكو، وجد نفسه في حيرة والخلاصة التي يهمس بها الكثيرون في برلين هي أن ميرتس والأوروبيين يواجهون حقيقة مرعبة: الولايات المتحدة بقيادة ترامب ترسم خارطة طريق جديدة للعالم، خارطة لا مكان فيها للمبادئ أو القوانين، بل هي ساحة مفتوحة للأقوياء فقط ليأخذوا ما يريدون، متى أرادوا. وكما قال مايكل غالر، المتحدث باسم حزب ميرتس من تايوان البعيدة: سقوط مادورو خبر جيد، لكن الطريقة التي تم بها تؤكد أن واشنطن تريد تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بقوة السلاح، وهذا خبر سيء جداً لكل من كان لا يزال يؤمن بشيء اسمه القانون الدولي. فالإعلان الأمريكي عن عملية عسكرية في فنزويلا ترك برلين أمام مأزق سياسي وقانوني بالغ الحساسية. في لحظة واحدة، بدا أن أوروبا ترحّب ضمنيًا بزوال حاكم تصفه بالاستبدادي، لكنها في الوقت نفسه تتوجّس من سابقة خطيرة تمسّ جوهر النظام الدولي القائم على القانون.

وراء الحذر الدبلوماسي، يبرز خلاف أوروبي قديم جديد حول فنزويلا نفسها. فقد صُوّر مادورو طويلًا باعتباره حليفًا وثيقًا لروسيا وامتدادًا لليسار الراديكالي في أمريكا اللاتينية. لكن تجربته الفعلية جمعت بين الشعبوية القومية، والخطاب اليساري، ودعم تيارات دينية محافظة، مع سجل ثقيل من قمع المعارضة وتزوير الانتخابات.

كل ذلك يحدث بينما يقترب الاتحاد الأوروبي من استكمال اتفاقية ميركوسور مع دول أمريكا الجنوبية، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، وتُفهم على أنها رد غير مباشر على السياسات التجارية الأمريكية المتشددة. غير أن فنزويلا نفسها تفضح الانقسام داخل أمريكا اللاتينية: فبينما تدين البرازيل التدخل العسكري، تحتفي به الأرجنتين، ما يثير مخاوف أوروبية حقيقية من زعزعة استقرار المنطقة برمّتها.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :