نيويورك تايمز: “عقيدة كارني” تتحدى “نظرية ترامب” وترسم معالم التمرد ضد الهيمنة الأمريكية
عمان جو- أكد كاتب عمود الرأي ديفيد فرينش بصحيفة نيويورك تايمز، في مقال تحليلي بعنوان “عقيدة كارني” وهو قراءة لأبعاد ودلالات خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اللافت في منتدى دافوس بسويسرا، أن العالم يقف اليوم أمام لحظة فارقة حقيقية في مسار التحالفات الدولية، وأن ما كان يُنظر إليه سابقا بوصفه أزمة عابرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، بات الآن تصدّعا بنيويا عميقا.
ويعزو فرينش هذا التحول إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، التي تقوم على العدوانية والابتزاز وتقويض أسس النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى حدثين متزامنين خلال أسبوع واحد، اعتبرهما كاشفين لحجم التحول الجاري.
الأول تمثّل في رسالة بعث بها ترامب إلى رئيس وزراء النرويج يوناس غار ستوره، ربط فيها على نحو “عبثي” بين عدم منحه جائزة نوبل للسلام ورغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، في خلط فاضح بين الأهواء الشخصية والسياسة الدولية.
أما الحدث الثاني، والأكثر أهمية في نظره فكان خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي ألقاه في منتدى دافوس الاقتصادي، حيث قال علنا ما بات كثير من حلفاء الولايات المتحدة يفكرون فيه سرا، وهو أن زمن التسليم بالقيادة الأمريكية دون شروط قد ولّى.
وكان كارني قد ألقى يوم الثلاثاء الماضي كلمة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في منتجع دافوس بسويسرا، اعتبر فيها أن النظام العالمي القائم على القوانين الذي تقوده الولايات المتحدة يعاني من “تصدع”. وقد حظي الخطاب بتصفيق حار من الحاضرين.
وشدد الكاتب على أن خطورة سلوك ترامب لا تكمن فقط في طبيعته “غير العقلانية”، بل في حقيقة أن منظومة الضوابط والتوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها باتت عاجزة عن كبحه. حيث أن العزل السياسي مستبعد، فالكونغرس خاضع لهيمنة تيار حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) الموالية للرئيس، الذي يحيط نفسه بشخصيات في إدارته متماهية مع اندفاعاته.
ووفق فرينش فهذا الواقع، من وجهة نظر الحلفاء، يعني أن الخطر لم يعد مؤقتا أو مرتبطا بشخص ترامب وحده، بل أصبح بنيويا ومتجذرا في السياسة الأمريكية.
وأكد أن كارني قدّم في خطابه تشخيصا صارما للنظام الدولي القائم على القواعد الذي ساد لعقود، وأتاح ازدهار دول “متوسطة” مثل كندا. فقد أقر كارني بأن هذا النظام ناقص وغير عادل بالكامل، وتطبَّق فيه القواعد بصرامة متفاوتة بحسب موازين القوة، حيث تُعفي الدول الكبرى نفسها من الضوابط متى رغبت.
بحسب الكاتب فرغم عيوب هذا النظام، فإنه كان قابلا للحياة، وطالما اضطلعت الولايات المتحدة بدور القوة المهيمنة التي تجمع بين النفوذ والمسؤولية الأخلاقية. لكن هذا الشرط، كما قال كارني لم يعد قائما. ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى توفير “السلع العامة” العالمية، من الأمن الجماعي والاستقرار المالي وحرية الملاحة، بل باتت تستخدم أدوات القوة الاقتصادية، من الرسوم الجمركية إلى سلاسل التوريد، سلاحا لإخضاع الحلفاء قبل الخصوم. وهنا يبرز مفهوم “التصدّع” الذي يستخدمه كارني، لا بوصفه مرحلة انتقالية، بل كحالة قطيعة مع الماضي.
ويحلل فرينش ما يسميه “نظرية ترامب”، التي تفترض أن انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها التقليدية سيمنحها حرية أكبر وقوة تفاوضية أعلى، وأن ضعف الحلفاء سيجعلهم أكثر قابلية للابتزاز.
غير أن كارني، في المقابل، يرى أن هذا المنطق يدفع “القوى المتوسطة” إلى خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع وإما المقاومة. وبما أن الخضوع يتناقض مع سيادة الدول وكرامتها، فإن المقاومة تصبح حتمية.
رغم على أن كارني لا يدعو، كما يوضح فرينش، إلى القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة، بل إلى مسارين متوازيين. الأول تعزيز القدرات الوطنية، من خلال مضاعفة الإنفاق العسكري وإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية.
أما الثاني، فهو بناء شبكات جديدة من التعاون والتحالفات قد تشمل أطرافا خارج الإطار الأمريكي التقليدي، من بينها الصين، وهو ما يثير قلق واشنطن.
ووفق فرينش تبلغ رسالة كارني ذروتها في موقفه من غرينلاند، حيث يؤكد دعم كندا الكامل للدانمارك واستعدادها للوفاء بالتزامات المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى لو كان مصدر التهديد هو الولايات المتحدة نفسها.
ويرى أن التصفيق الحار الذي قوبل به هذا الموقف في دافوس يعكس استعداد دول أخرى للسير في ذات الاتجاه.
ويحذر الكاتب من أن ازدراء الحلفاء، الذي بدأ كدعوة مشروعة لزيادة مساهماتهم الدفاعية، تحوّل إلى سياسة قد تأتي بنتائج عكسية.
فإذا استجابت الدول المتوسطة لنداء كارني، فقد ينشأ تحالف اقتصادي وعسكري ضخم يضم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، وهو تحالف نووي وصناعي قادر على موازنة القوة الأمريكية.
ويعقد الكاتب مقارنة لافتة بين حسابات ترامب وسوء تقدير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل غزو أوكرانيا، حين استهان الأخير بقدرة الغرب على الرد.
ويقول إنه مثلما أدى الغزو الروسي إلى إيقاظ أوروبا من سباتها، فقد تفضي سياسات ترامب إلى نتيجة مماثلة. ويخلص إلى أن ترامب يسعى إلى رعايا خاضعين، لكنه، في الواقع، يصنع خصوما جددا، وأن الثمن النهائي لهذه المقامرة سيدفعه الأمريكيون قبل غيرهم.
عمان جو- أكد كاتب عمود الرأي ديفيد فرينش بصحيفة نيويورك تايمز، في مقال تحليلي بعنوان “عقيدة كارني” وهو قراءة لأبعاد ودلالات خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اللافت في منتدى دافوس بسويسرا، أن العالم يقف اليوم أمام لحظة فارقة حقيقية في مسار التحالفات الدولية، وأن ما كان يُنظر إليه سابقا بوصفه أزمة عابرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، بات الآن تصدّعا بنيويا عميقا.
ويعزو فرينش هذا التحول إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، التي تقوم على العدوانية والابتزاز وتقويض أسس النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى حدثين متزامنين خلال أسبوع واحد، اعتبرهما كاشفين لحجم التحول الجاري.
الأول تمثّل في رسالة بعث بها ترامب إلى رئيس وزراء النرويج يوناس غار ستوره، ربط فيها على نحو “عبثي” بين عدم منحه جائزة نوبل للسلام ورغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، في خلط فاضح بين الأهواء الشخصية والسياسة الدولية.
أما الحدث الثاني، والأكثر أهمية في نظره فكان خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي ألقاه في منتدى دافوس الاقتصادي، حيث قال علنا ما بات كثير من حلفاء الولايات المتحدة يفكرون فيه سرا، وهو أن زمن التسليم بالقيادة الأمريكية دون شروط قد ولّى.
وكان كارني قد ألقى يوم الثلاثاء الماضي كلمة أمام المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في منتجع دافوس بسويسرا، اعتبر فيها أن النظام العالمي القائم على القوانين الذي تقوده الولايات المتحدة يعاني من “تصدع”. وقد حظي الخطاب بتصفيق حار من الحاضرين.
وشدد الكاتب على أن خطورة سلوك ترامب لا تكمن فقط في طبيعته “غير العقلانية”، بل في حقيقة أن منظومة الضوابط والتوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها باتت عاجزة عن كبحه. حيث أن العزل السياسي مستبعد، فالكونغرس خاضع لهيمنة تيار حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) الموالية للرئيس، الذي يحيط نفسه بشخصيات في إدارته متماهية مع اندفاعاته.
ووفق فرينش فهذا الواقع، من وجهة نظر الحلفاء، يعني أن الخطر لم يعد مؤقتا أو مرتبطا بشخص ترامب وحده، بل أصبح بنيويا ومتجذرا في السياسة الأمريكية.
وأكد أن كارني قدّم في خطابه تشخيصا صارما للنظام الدولي القائم على القواعد الذي ساد لعقود، وأتاح ازدهار دول “متوسطة” مثل كندا. فقد أقر كارني بأن هذا النظام ناقص وغير عادل بالكامل، وتطبَّق فيه القواعد بصرامة متفاوتة بحسب موازين القوة، حيث تُعفي الدول الكبرى نفسها من الضوابط متى رغبت.
بحسب الكاتب فرغم عيوب هذا النظام، فإنه كان قابلا للحياة، وطالما اضطلعت الولايات المتحدة بدور القوة المهيمنة التي تجمع بين النفوذ والمسؤولية الأخلاقية. لكن هذا الشرط، كما قال كارني لم يعد قائما. ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى توفير “السلع العامة” العالمية، من الأمن الجماعي والاستقرار المالي وحرية الملاحة، بل باتت تستخدم أدوات القوة الاقتصادية، من الرسوم الجمركية إلى سلاسل التوريد، سلاحا لإخضاع الحلفاء قبل الخصوم. وهنا يبرز مفهوم “التصدّع” الذي يستخدمه كارني، لا بوصفه مرحلة انتقالية، بل كحالة قطيعة مع الماضي.
ويحلل فرينش ما يسميه “نظرية ترامب”، التي تفترض أن انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها التقليدية سيمنحها حرية أكبر وقوة تفاوضية أعلى، وأن ضعف الحلفاء سيجعلهم أكثر قابلية للابتزاز.
غير أن كارني، في المقابل، يرى أن هذا المنطق يدفع “القوى المتوسطة” إلى خيارين لا ثالث لهما: إما الخضوع وإما المقاومة. وبما أن الخضوع يتناقض مع سيادة الدول وكرامتها، فإن المقاومة تصبح حتمية.
رغم على أن كارني لا يدعو، كما يوضح فرينش، إلى القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة، بل إلى مسارين متوازيين. الأول تعزيز القدرات الوطنية، من خلال مضاعفة الإنفاق العسكري وإعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية.
أما الثاني، فهو بناء شبكات جديدة من التعاون والتحالفات قد تشمل أطرافا خارج الإطار الأمريكي التقليدي، من بينها الصين، وهو ما يثير قلق واشنطن.
ووفق فرينش تبلغ رسالة كارني ذروتها في موقفه من غرينلاند، حيث يؤكد دعم كندا الكامل للدانمارك واستعدادها للوفاء بالتزامات المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى لو كان مصدر التهديد هو الولايات المتحدة نفسها.
ويرى أن التصفيق الحار الذي قوبل به هذا الموقف في دافوس يعكس استعداد دول أخرى للسير في ذات الاتجاه.
ويحذر الكاتب من أن ازدراء الحلفاء، الذي بدأ كدعوة مشروعة لزيادة مساهماتهم الدفاعية، تحوّل إلى سياسة قد تأتي بنتائج عكسية.
فإذا استجابت الدول المتوسطة لنداء كارني، فقد ينشأ تحالف اقتصادي وعسكري ضخم يضم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، وهو تحالف نووي وصناعي قادر على موازنة القوة الأمريكية.
ويعقد الكاتب مقارنة لافتة بين حسابات ترامب وسوء تقدير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل غزو أوكرانيا، حين استهان الأخير بقدرة الغرب على الرد.
ويقول إنه مثلما أدى الغزو الروسي إلى إيقاظ أوروبا من سباتها، فقد تفضي سياسات ترامب إلى نتيجة مماثلة. ويخلص إلى أن ترامب يسعى إلى رعايا خاضعين، لكنه، في الواقع، يصنع خصوما جددا، وأن الثمن النهائي لهذه المقامرة سيدفعه الأمريكيون قبل غيرهم.




الرد على تعليق