إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

الشوابكة تكتب .. المسافة بين الاعتراف والإنصاف


عمان جو - منى الشوابكة

في الثامن من آذار من كل عام، لا يكون الحديث عن المرأة مجرد مناسبة رمزية أو مساحة للتهاني العابرة، وإنما وقفة للتأمل في معنى الحقوق حين تتحول إلى واقع، وفي معنى العدالة حين تصبح أثرًا ملموسًا في حياة النساء. وفي عام 2026، يكتسب هذا اليوم بعدًا أكثر وضوحًا مع الشعار الأممي: “Rights. Justice. Action. For ALL Women and Girls”، أي: الحقوق، العدالة، والعمل… من أجل جميع النساء والفتيات. وهو شعار يلفت الانتباه إلى أن تمكين المرأة لم يعد يُقاس فقط بوجود المبادئ العامة، وإنما بقدرة المجتمعات على تحويل هذه المبادئ إلى حماية وفرص ومشاركة وعدالة فعلية.
وإذا كان الحق في ذاته خطوة أساسية، فإن العدالة الحقيقية تبدأ حين ينتقل هذا الحق من النص إلى النفاذ، ومن الإقرار النظري إلى التطبيق العملي. ومن هذا المنطلق، لا تعني العدالة للمرأة مجرد وجود قوانين أو سياسات داعمة، وإنما تعني أيضًا أن تجد المرأة في التعليم والعمل والحياة العامة والقضاء والإدارة بيئة أكثر إنصافًا واتساعًا للفرص. ولهذا جاء شعار 2026 رابطًا بين الحقوق والعدالة والعمل؛ لأن الحقوق، مهما بدت واضحة في النصوص، تبقى ناقصة الأثر ما لم تجد طريقها إلى التنفيذ، في حين تُقاس العدالة الفعلية بما تتركه من أثر مباشر في حياة النساء والفتيات يوميًا.
وحين ننتقل إلى الأردن، فإن القراءة المنصفة لهذا الملف تقود إلى نتيجة واضحة، مؤداها أن السنوات الأخيرة شهدت إنجازات مهمة، وأن الحديث عن المرأة لم يعد ملفًا هامشيًا أو ثانويًا، وإنما أصبح جزءًا أصيلًا من مسارات التحديث السياسي والإداري والاجتماعي. وفي هذا السياق، شكّلت الاستراتيجية الوطنية للمرأة في الأردن، إلى جانب خطط العمل المرتبطة بها، إطارًا وطنيًا منظمًا لتوجيه الجهود نحو حماية حقوق النساء والفتيات وتعزيز مشاركتهن الكاملة والفاعلة في المجتمع. وهذا، في حد ذاته، يعكس تطورًا مهمًا في البناء المؤسسي لقضية المرأة في الأردن.
ولعل من المهم، في هذا السياق، الإشارة إلى أن مسار دعم المرأة الأردنية لم يكن منفصلًا عن الإرادة السياسية العليا في الدولة، وإنما جاء متصلًا بها ومسنودًا إليها. فقد أكد الملك عبد الله الثاني في أكثر من مناسبة اعتزازه بدور المرأة الأردنية وإنجازاتها، وحرصه على دعم مشاركتها وتعزيز حضورها في مختلف القطاعات، بوصفها شريكًا أساسًا في مسيرة التقدم الوطني. كما برزت الملكة رانيا العبد الله صوتًا أردنيًا حاضرًا في الدفاع عن قضايا المرأة وتمكينها، داخل الأردن وفي المحافل الإقليمية والدولية، حيث اقترن حضورها العام بخطاب يربط بين تمكين المرأة، والعدالة، والتعليم، والتنمية الإنسانية. وهذا الدعم، برمزيته الوطنية والإنسانية، أسهم في ترسيخ حضور قضية المرأة في الوعي العام وفي إبقائها ضمن أولويات النقاش والعمل المؤسسي.
وإذا كان البناء المؤسسي يمثل القاعدة، فإن أثره يبدو أوضح حين يُقاس بمستوى الحضور الفعلي للمرأة في المجال العام. فمن هذه الزاوية، شهد الأردن تقدمًا لافتًا على مستوى المشاركة السياسية، سواء في المؤسسات التمثيلية أو في الحياة الحزبية. وقد أسهمت مسارات التحديث والإصلاح في تعزيز فرص مشاركة النساء، كما ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان، واتسع حضورها في الأحزاب ومجالات العمل العام. ولا يُقرأ هذا التطور بوصفه زيادة عددية فحسب، وإنما باعتباره انتقالًا تدريجيًا نحو حضور سياسي أكثر رسوخًا وتأثيرًا للمرأة الأردنية، بما يعكس تحسنًا في موقعها داخل المجال العام وفي قدرتها على المساهمة في صناعة القرار.
ولم يقتصر هذا الحضور المتنامي على المجال السياسي وحده، بل امتد إلى المجال المؤسسي بمعناه الأوسع. فقد عززت المرأة الأردنية حضورها في قطاعات حيوية عديدة، من بينها القضاء والتعليم والصحة والإدارة العامة والعمل المدني. كما واصل الأردن دعم الأطر الوطنية المرتبطة بالمرأة والأمن والسلام، وهو ما يعكس قناعة متزايدة بأن العدالة للمرأة ليست ملفًا منفصلًا عن مشروع الدولة التنموي، وإنما جزء من بنيته الأساسية. فكلما اتسعت مساحة حضور المرأة في المؤسسات، اتسعت معها فرص الوصول إلى عدالة أكثر توازنًا وشمولًا، وصار الحديث عن تمكينها أقرب إلى كونه سياسة دولة، لا مجرد عنوان مناسباتي حسن الهندام.
غير أن اكتمال الصورة يقتضي النظر أيضًا إلى المجال الاقتصادي، بوصفه أحد أكثر ميادين العدالة اتصالًا بالحياة اليومية واستقرارها. وفي هذا الجانب، استمرت الجهود الوطنية في مراجعة البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة لعمل المرأة، مع بقاء الحاجة إلى توسيع الأثر العملي لهذه الجهود بصورة أكبر. وهذه المؤشرات لا تلغي ما تحقق، بقدر ما تكشف أن العدالة الاقتصادية ما تزال من أكثر المسارات حاجة إلى التعميق، بحيث تنتقل الفرص المتاحة من المستوى النظري أو الجزئي إلى نطاق أوسع وأكثر استدامة، وبما يضمن للمرأة حضورًا اقتصاديًا أكثر رسوخًا وعدالة.
ومن هنا، تبدو الحاجة إلى فهم العدالة للمرأة في الأردن على نحو أشمل وأعمق. فهي اليوم يجب أن تُفهم باعتبارها مشروع دولة ومجتمع معًا؛ مشروعًا لا يقتصر على رفع نسب التمثيل، وإنما يشمل أيضًا تحسين نوعية هذا التمثيل. وهو لا يكتفي بزيادة عدد النساء في المشهد، وإنما يضمن أن يكنّ صاحبات تأثير حقيقي. كما أنه لا يفرح بوجود نصوص جيدة فقط، وإنما يلاحق تنفيذها، ويقيس أثرها، ويعالج الفجوات التي تكشفها الأرقام. فالعدالة للمرأة تعني أن الفتاة الأردنية، أينما وُلدت، يجب أن تشعر أن القانون يحميها، والتعليم يفتح لها الباب، والاقتصاد لا يستبعدها، وأن المشاركة العامة تتيح لها دورًا فاعلًا وحقيقيًا، وأن المجتمع لا يضع أمامها متاهة من الشروط ليمنحها ما هو في الأصل حق لها.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الأردن وصل في مسار العدالة للمرأة إلى مرحلة مهمة من البناء والتقدم. فلم يعد الحديث عن حقوق المرأة شأنًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من الخطط الوطنية، ومن الإصلاحات السياسية، ومن النقاش العام حول التنمية والتحديث. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا المسار نفسها تقتضي الاستمرار في تعميق المكتسبات وتوسيع أثرها، حتى تصبح العدالة أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية للمرأة، لا في النصوص والمؤشرات وحدها. وهذا هو الفارق الجوهري بين الاعتراف بالحق واكتمال الإنصاف: أن يتحول الحق من مادة تُقرأ إلى واقع يُعاش، ومن مبدأ مُعلن إلى فرصة متاحة وأثرٍ ملموس.
وعليه، فإن الرسالة الأهم في اليوم العالمي للمرأة 2026 تبدو واضحة، إن العدالة للمرأة ليست شعارًا احتفاليًا، وإنما مسار وطني وإنساني متواصل. وما تحقق في الأردن يستحق التقدير بوصفه جزءًا من مسيرة جادة في تمكين المرأة وتعزيز حضورها، فيما تبقى المرحلة المقبلة فرصة للبناء على هذه الإنجازات، وترسيخ الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى توسيع العدالة الفعلية. فكل تقدم تحققه المرأة هو، في جوهره، تقدم للمجتمع كله، وكل خطوة نحو إنصافها هي خطوة نحو دولة أكثر توازنًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومستقبل أكثر عدالة وشمولًا. ولعل ما نحتاجه في المرحلة القادمة هو العمل على تحويل هذه الحقوق إلى واقع يومي راسخ. ومن هنا، يمكن أن يكون الشعار الأجدر للمرة القادمة: "العدالة للمرأة… أثرٌ يُرى، وفرصٌ تُعاش، ومستقبلٌ يُبنى."




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :