إيرانُ والولاياتُ المتحدة: صِراعُ التَّعريفِ وإنتاجُ الرَّأيِ العام
عمان جو-بقلم: زيد أبو زيد
ليس كلُّ صراعٍ سياسيٍّ صراعَ مصالح… بل إنَّ بعضَ الصِّراعاتِ هو صراعٌ على تعريفِ العالَم: مَن يملكُ الحَقَّ في أن يُعَرِّفَ الشَّرعيَّة، ومَن يُعيدُ إنتاجَ الرأيِ العام؟
منذُ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران عام 1979، لم يكن الخلافُ مع الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية خلافًا عابرًا، بل تحوُّلًا بنيويًّا في طبيعةِ العلاقة بين دولةٍ كانت جزءًا من المنظومةِ الغربية في عهدِ الشاه محمد رضا بهلوي، ودولةٍ جديدةٍ أعادت تعريفَ ذاتها خارج تلك المنظومة.
غير أنّ هذا التحوُّل لم يؤدِّ إلى اصطفافٍ كاملٍ مع المعسكرِ المقابل آنذاك، بل أوجد نموذجًا سياسيًّا خاصًّا، يتحرّك بين الاستقلال، وبناء النفوذ، وتصدير الفكرة. ومن هنا بدأ صراعٌ مركّب، لا يزال يتشكّل حتى اليوم، ليس فقط على مستوى السياسة، بل على مستوى الوعي ذاته.
إذا أردنا تفكيكَ هذا المشهد، فلا بد أن نبدأ بالسؤالِ المركزي:
ما السَّببُ الحقيقيُّ في استمرارِ هذا الخلاف؟
أولًا: الملفُّ النَّوويّ
تُصِرُّ إيران على أنَّ برنامجَها سِلميٌّ، وأنَّ تخصيبَ اليورانيوم حقٌّ سياديٌّ لتحقيقِ التنمية، مستندةً إلى خطابٍ دينيٍّ وسياسيٍّ يُحرِّم امتلاكَ السِّلاح النووي.
في المقابل، ترى الولاياتُ المتحدة أنَّ هذا البرنامج يحمل بُعدًا تسليحيًّا، وترفض إعادة تشكيل التوازن النووي في المنطقة، في ظلِّ واقعٍ إقليميٍّ تُثار فيه تساؤلاتٌ جدّية حول ازدواجية المعايير.
ثانيًا: القدراتُ الصاروخية والمسيَّرات
هنا تتحوّل المسألة من “النوايا” إلى “القدرات”.
فما تراه إيرانُ منظومةَ ردعٍ، تراه الولاياتُ المتحدة تهديدًا مباشرًا لتوازنات المنطقة.
ثالثًا: العقوباتُ والأموالُ المُجمَّدة
وهو ملفٌّ اقتصاديٌّ في ظاهره، لكنه أداةُ ضغطٍ سياسيٍّ في جوهره، يُستخدم لإعادة تشكيل السلوك، لا فقط لمعاقبةِ القرار.
رابعًا: مضيقُ هُرمُز
هل هو ممرٌّ دوليٌّ أم مجالٌ سياديّ؟
سؤالٌ قانونيٌّ يخفي خلفه صراعًا على مفاتيح الطاقة العالمية.
خامسًا: تعويضاتُ الحروب
وهو انتقالٌ في الخطاب من موقع الدفاع إلى موقع المطالبة بإعادة تعريف العلاقة وفق منطق الحقوق.
سادسًا: شبكةُ الحلفاء في الإقليم
بين من يراها أدواتِ نفوذٍ، ومن يراها امتدادًا استراتيجيًّا… يبقى السؤال الأعمق:
هل يمكن أصلًا لأيِّ دولةٍ أن تُهيمن على منطقةٍ بهذا التعقيد، مهما بلغ تحالفها؟
وهنا تبرزُ نقطةٌ مفصلية في قراءة التحالفات:
فرغم أنَّ كثيرًا من دول الإقليم—وخاصةً دول الخليج العربي، والأردن، والعراق، وتركيا، وربما أذربيجان—حاولت أن تقف على مسافةٍ سياسيةٍ واحدة من أطراف هذا الصراع،
إلّا أنّ ما جرى خلال مرحلة التصعيد، لا سيما في الحرب التي امتدّت قرابة أربعين يومًا، أعاد تشكيل هذا التوازن.
إذ إنَّ تعرُّض بعض هذه الدول لهجماتٍ مباشرةٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وما مسَّ مصالحها الحيوية وبُناها التحتية ومنشآتها الاقتصادية، سيترك أثرًا عميقًا في طبيعة العلاقة مع إيران،
وسيُشكّل—على الأرجح—حاجزًا موضوعيًّا أمام عودة العلاقات إلى ما كانت عليه.
بل إنَّ تعقيد المشهد يتضاعف إذا ما أُضيف إلى ذلك دورُ التحالفات غير المباشرة، أو الارتباطات مع قوى وتنظيمات داخل الإقليم،
الأمر الذي يجعل مسألة “إعادة بناء الثقة” أكثر صعوبة، لا من زاوية السياسة فقط، بل من زاوية الأمن القومي لهذه الدول.
وهنا تتبدّى مفارقة لافتة:
فالدول التي طالبت منذ البداية بعدم اندلاع الحرب، وبضرورة وقفها، تجد نفسها اليوم طرفًا متأثرًا بها بشكلٍ مباشر،
ما يعني أنَّ الصراع لم يعد محصورًا بين أطرافه التقليديين، بل تمدّد ليُعيد تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بأكملها.
في خِضَمِّ هذا التَّشابُك، يطرحُ البعضُ سؤالًا مباشرًا:
هل تعودُ المفاوضاتُ بين إيران والولاياتِ المتحدة؟
الراجحُ أنَّها ستعود.
فكما انعقدت جولاتٌ سابقة، برعايةٍ إقليمية، ورغم تعقيدات المشهد، والاشتراطات المتبادلة—من وقفِ إطلاقِ النار، إلى فتحِ الممرّات، إلى ملفِّ الأموال—فإنَّ منطقَ السياسة لا يُغلِقُ بابَ التفاوض.
صحيحٌ أنَّ هناك أزمةَ ثقةٍ عميقة، خصوصًا في ظلِّ تجاربَ سابقةٍ انتهت بتصعيدٍ مفاجئ، وصحيحٌ أنَّ المشهد الإقليمي يزيدُ من هشاشةِ هذا المسار،
لكنَّ الحقيقة الأهم هي أنَّ التفاوضَ ليس خيارًا أخلاقيًّا… بل ضرورةٌ بنيوية في إدارة الصراع.
وقد تُستأنفُ جولاتٌ جديدة، بهدفِ تجديدِ التهدئة، والبحثِ في ملفاتٍ جزئيةٍ قابلةٍ للتسوية، كمددِ تقييدِ التخصيب النووي، والتي يمكن أن تخضع لمنطق “الحلول الوسط”،
بين سقفٍ أمريكيٍّ مرتفع، وتمسُّكٍ إيرانيٍّ أقصر زمنًا، وصولًا إلى نقطةِ توازنٍ ممكنة.
غير أنَّ القضايا الأعمق… تبقى خارج هذا التفاوض المرحلي.
هنا نصلُ إلى جوهر المسألة:
هذا الصراع ليس فقط صراعَ سياسات… بل صراعُ أنظمةٍ تُنتجُ الرأيَ العام.
فالولاياتُ المتحدة لا تُديرُ الصراعَ فقط بأدوات القوة، بل بمنظومةٍ إعلاميةٍ وسياسيةٍ تُعيدُ تشكيلَ إدراكِ العالم لماهية “الشرعية” و”الخطر” و”النظام”.
وفي المقابل، تحاولُ إيران بناءَ سرديّةٍ مضادّة، تقومُ على مفاهيمِ الاستقلال، ورفضِ الهيمنة، وإعادة تعريفِ السيادة.
ومن هنا، فإنَّ الديمقراطية—في بعدها العميق—ليست فقط آليةَ اختيار، بل منظومةٌ لإنتاجِ الرأيِ العام، وتشكيلِ الوعي الجمعي.
ومن يملك هذه المنظومة… يملك القدرةَ على تفسيرِ الصراع، لا فقط خوضِه.
إنَّ تعقيدَ هذا الملف لا يكمن في تعددِ قضاياه، بل في تعددِ مستوياته:
سياسية، قانونية، اقتصادية، وفوق ذلك كلّه… فلسفية.
ولهذا، فإنَّ أيَّ تحليلٍ لا يستندُ إلى حيادٍ فكريٍّ، وإلى مبادئَ ثابتةٍ في الفلسفةِ السياسية، سيبقى أسيرَ اللحظة، لا صانعًا للفهم.
وربما السؤالُ الذي ينبغي أن نؤجِّله قليلًا… ليس: كيف ينتهي هذا الصراع؟
بل: مَن سينجحُ في تعريفِه للعالَم… ومن سيُقنِعُنا أن نراه بعينيه؟
عمان جو-بقلم: زيد أبو زيد
ليس كلُّ صراعٍ سياسيٍّ صراعَ مصالح… بل إنَّ بعضَ الصِّراعاتِ هو صراعٌ على تعريفِ العالَم: مَن يملكُ الحَقَّ في أن يُعَرِّفَ الشَّرعيَّة، ومَن يُعيدُ إنتاجَ الرأيِ العام؟
منذُ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران عام 1979، لم يكن الخلافُ مع الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية خلافًا عابرًا، بل تحوُّلًا بنيويًّا في طبيعةِ العلاقة بين دولةٍ كانت جزءًا من المنظومةِ الغربية في عهدِ الشاه محمد رضا بهلوي، ودولةٍ جديدةٍ أعادت تعريفَ ذاتها خارج تلك المنظومة.
غير أنّ هذا التحوُّل لم يؤدِّ إلى اصطفافٍ كاملٍ مع المعسكرِ المقابل آنذاك، بل أوجد نموذجًا سياسيًّا خاصًّا، يتحرّك بين الاستقلال، وبناء النفوذ، وتصدير الفكرة. ومن هنا بدأ صراعٌ مركّب، لا يزال يتشكّل حتى اليوم، ليس فقط على مستوى السياسة، بل على مستوى الوعي ذاته.
إذا أردنا تفكيكَ هذا المشهد، فلا بد أن نبدأ بالسؤالِ المركزي:
ما السَّببُ الحقيقيُّ في استمرارِ هذا الخلاف؟
أولًا: الملفُّ النَّوويّ
تُصِرُّ إيران على أنَّ برنامجَها سِلميٌّ، وأنَّ تخصيبَ اليورانيوم حقٌّ سياديٌّ لتحقيقِ التنمية، مستندةً إلى خطابٍ دينيٍّ وسياسيٍّ يُحرِّم امتلاكَ السِّلاح النووي.
في المقابل، ترى الولاياتُ المتحدة أنَّ هذا البرنامج يحمل بُعدًا تسليحيًّا، وترفض إعادة تشكيل التوازن النووي في المنطقة، في ظلِّ واقعٍ إقليميٍّ تُثار فيه تساؤلاتٌ جدّية حول ازدواجية المعايير.
ثانيًا: القدراتُ الصاروخية والمسيَّرات
هنا تتحوّل المسألة من “النوايا” إلى “القدرات”.
فما تراه إيرانُ منظومةَ ردعٍ، تراه الولاياتُ المتحدة تهديدًا مباشرًا لتوازنات المنطقة.
ثالثًا: العقوباتُ والأموالُ المُجمَّدة
وهو ملفٌّ اقتصاديٌّ في ظاهره، لكنه أداةُ ضغطٍ سياسيٍّ في جوهره، يُستخدم لإعادة تشكيل السلوك، لا فقط لمعاقبةِ القرار.
رابعًا: مضيقُ هُرمُز
هل هو ممرٌّ دوليٌّ أم مجالٌ سياديّ؟
سؤالٌ قانونيٌّ يخفي خلفه صراعًا على مفاتيح الطاقة العالمية.
خامسًا: تعويضاتُ الحروب
وهو انتقالٌ في الخطاب من موقع الدفاع إلى موقع المطالبة بإعادة تعريف العلاقة وفق منطق الحقوق.
سادسًا: شبكةُ الحلفاء في الإقليم
بين من يراها أدواتِ نفوذٍ، ومن يراها امتدادًا استراتيجيًّا… يبقى السؤال الأعمق:
هل يمكن أصلًا لأيِّ دولةٍ أن تُهيمن على منطقةٍ بهذا التعقيد، مهما بلغ تحالفها؟
وهنا تبرزُ نقطةٌ مفصلية في قراءة التحالفات:
فرغم أنَّ كثيرًا من دول الإقليم—وخاصةً دول الخليج العربي، والأردن، والعراق، وتركيا، وربما أذربيجان—حاولت أن تقف على مسافةٍ سياسيةٍ واحدة من أطراف هذا الصراع،
إلّا أنّ ما جرى خلال مرحلة التصعيد، لا سيما في الحرب التي امتدّت قرابة أربعين يومًا، أعاد تشكيل هذا التوازن.
إذ إنَّ تعرُّض بعض هذه الدول لهجماتٍ مباشرةٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وما مسَّ مصالحها الحيوية وبُناها التحتية ومنشآتها الاقتصادية، سيترك أثرًا عميقًا في طبيعة العلاقة مع إيران،
وسيُشكّل—على الأرجح—حاجزًا موضوعيًّا أمام عودة العلاقات إلى ما كانت عليه.
بل إنَّ تعقيد المشهد يتضاعف إذا ما أُضيف إلى ذلك دورُ التحالفات غير المباشرة، أو الارتباطات مع قوى وتنظيمات داخل الإقليم،
الأمر الذي يجعل مسألة “إعادة بناء الثقة” أكثر صعوبة، لا من زاوية السياسة فقط، بل من زاوية الأمن القومي لهذه الدول.
وهنا تتبدّى مفارقة لافتة:
فالدول التي طالبت منذ البداية بعدم اندلاع الحرب، وبضرورة وقفها، تجد نفسها اليوم طرفًا متأثرًا بها بشكلٍ مباشر،
ما يعني أنَّ الصراع لم يعد محصورًا بين أطرافه التقليديين، بل تمدّد ليُعيد تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بأكملها.
في خِضَمِّ هذا التَّشابُك، يطرحُ البعضُ سؤالًا مباشرًا:
هل تعودُ المفاوضاتُ بين إيران والولاياتِ المتحدة؟
الراجحُ أنَّها ستعود.
فكما انعقدت جولاتٌ سابقة، برعايةٍ إقليمية، ورغم تعقيدات المشهد، والاشتراطات المتبادلة—من وقفِ إطلاقِ النار، إلى فتحِ الممرّات، إلى ملفِّ الأموال—فإنَّ منطقَ السياسة لا يُغلِقُ بابَ التفاوض.
صحيحٌ أنَّ هناك أزمةَ ثقةٍ عميقة، خصوصًا في ظلِّ تجاربَ سابقةٍ انتهت بتصعيدٍ مفاجئ، وصحيحٌ أنَّ المشهد الإقليمي يزيدُ من هشاشةِ هذا المسار،
لكنَّ الحقيقة الأهم هي أنَّ التفاوضَ ليس خيارًا أخلاقيًّا… بل ضرورةٌ بنيوية في إدارة الصراع.
وقد تُستأنفُ جولاتٌ جديدة، بهدفِ تجديدِ التهدئة، والبحثِ في ملفاتٍ جزئيةٍ قابلةٍ للتسوية، كمددِ تقييدِ التخصيب النووي، والتي يمكن أن تخضع لمنطق “الحلول الوسط”،
بين سقفٍ أمريكيٍّ مرتفع، وتمسُّكٍ إيرانيٍّ أقصر زمنًا، وصولًا إلى نقطةِ توازنٍ ممكنة.
غير أنَّ القضايا الأعمق… تبقى خارج هذا التفاوض المرحلي.
هنا نصلُ إلى جوهر المسألة:
هذا الصراع ليس فقط صراعَ سياسات… بل صراعُ أنظمةٍ تُنتجُ الرأيَ العام.
فالولاياتُ المتحدة لا تُديرُ الصراعَ فقط بأدوات القوة، بل بمنظومةٍ إعلاميةٍ وسياسيةٍ تُعيدُ تشكيلَ إدراكِ العالم لماهية “الشرعية” و”الخطر” و”النظام”.
وفي المقابل، تحاولُ إيران بناءَ سرديّةٍ مضادّة، تقومُ على مفاهيمِ الاستقلال، ورفضِ الهيمنة، وإعادة تعريفِ السيادة.
ومن هنا، فإنَّ الديمقراطية—في بعدها العميق—ليست فقط آليةَ اختيار، بل منظومةٌ لإنتاجِ الرأيِ العام، وتشكيلِ الوعي الجمعي.
ومن يملك هذه المنظومة… يملك القدرةَ على تفسيرِ الصراع، لا فقط خوضِه.
إنَّ تعقيدَ هذا الملف لا يكمن في تعددِ قضاياه، بل في تعددِ مستوياته:
سياسية، قانونية، اقتصادية، وفوق ذلك كلّه… فلسفية.
ولهذا، فإنَّ أيَّ تحليلٍ لا يستندُ إلى حيادٍ فكريٍّ، وإلى مبادئَ ثابتةٍ في الفلسفةِ السياسية، سيبقى أسيرَ اللحظة، لا صانعًا للفهم.
وربما السؤالُ الذي ينبغي أن نؤجِّله قليلًا… ليس: كيف ينتهي هذا الصراع؟
بل: مَن سينجحُ في تعريفِه للعالَم… ومن سيُقنِعُنا أن نراه بعينيه؟




الرد على تعليق