حكومة ترى نفسها إلهاً
عمان جو-أمجد العواملة
ليست الحكومة في الأردن مجرد جهاز إداري مأزوم، بل هي حالة مرضية مزمنة تعيش في وهم الألوهية. كيان لا يعترف بالخطأ، ولا يقبل النقد، ولا يرى في المواطن شريكاً، بل عبداً يُجبى منه ويُصمت.
الهاتف الأرضي في الدوائر الحكومية شاهد صامت على هذا الوهم: رقم مكتوب على لوحة، لا يجيب. لأن الإله لا يرد على عبيده.
الإقامة والعمالة المنزلية تحولتا إلى جباية مقدسة. المواطن يكافح ليجمع قوت يومه، فيجد نفسه محاصراً بغرامات متراكمة ومخالفات لا تنتهي، لأن الإله يفرض ما يشاء، ويسمي ذلك “سيادة القانون”.
الإعلام لم يعد فناً ولا منبراً للنقد، بل طقس مديح يومي يلمع صورة السلطة ويواري العطب. فالإله لا يقبل النقد، بل يطلب التصفيق الدائم.
أما التقاعد والضمان الاجتماعي، فقد تحولا إلى نهب منظم. يرفعون سن التقاعد، يثقلون كاهل الشباب، ويستدينون من أموال الضمان بكل أريحية، ليغطوا عجزهم اليوم ويسموه “حكمة”. غداً سيدفع الجيل الجديد فاتورة وهم الألوهية.
وتتكاثر الدوائر “المستقلة” كالفطر بعد المطر، لا لتخفف عن المواطن، بل لتضخم البيروقراطية وتزيد الكلفة. الإله يخلق ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل.
تنتشر الكاميرات المرورية في الشوارع لتصيد المخالفات، بينما لا توجد مواقف للسيارات، والمباني تُبنى بدونها. الأنظمة تقضي بأن يخصص كل بناء مواقف كافية حسب عدد الطوابق، لكن أغلب الملاك يتجاوزون ذلك أو يقللون منها. فتقوم أمانة عمان بتحصيل “بدل مواقف” من صاحب العقار، تمنحه الترخيص، وتُباع الشقق أو تُؤجر. يأتي المواطن ليسكن أو يشتري فلا يجد مصفاً، فيقف في أي مكان متاح، فتُحرر له مخالفة تتكرر كل يوم، ويظل يدفع ثمن مخالفاته مدى الحياة.
تتوالى الإعلانات الرسمية عن «خدمات جديدة» عبر تطبيق سند، بينما الخدمات الأساسية مشلولة: التأمين الصحي متوقف منذ أسابيع، والضمان عاجز عن تقديم الخدمة، والإجراءات الروتينية عقاب لا ينتهي. والإعلام المبتذل يردد الشعارات ويخفي الواقع، لأن الإله لا يحتاج إلى كشف حساب، بل إلى تمجيد مستمر.
كل هذه الأعراض — الجباية، البيروقراطية، الإهمال، الدعاية — ليست مشاكل منفصلة. إنها تجليات مرض واحد: حكومة ترى نفسها كاملة الذات، معصومة من الخطأ، رافضة للعلاج.
الإصلاح الحقيقي لن يبدأ إلا يوم تعترف هذه الحكومة أنها ليست إلهاً، بل جهازاً بشرياً فاشلاً يحتاج إلى جراحة جذرية. وحتى ذلك اليوم، سيبقى المواطن الأردني هو الذي يدفع الثمن غالياً… كل يوم.
عمان جو-أمجد العواملة
ليست الحكومة في الأردن مجرد جهاز إداري مأزوم، بل هي حالة مرضية مزمنة تعيش في وهم الألوهية. كيان لا يعترف بالخطأ، ولا يقبل النقد، ولا يرى في المواطن شريكاً، بل عبداً يُجبى منه ويُصمت.
الهاتف الأرضي في الدوائر الحكومية شاهد صامت على هذا الوهم: رقم مكتوب على لوحة، لا يجيب. لأن الإله لا يرد على عبيده.
الإقامة والعمالة المنزلية تحولتا إلى جباية مقدسة. المواطن يكافح ليجمع قوت يومه، فيجد نفسه محاصراً بغرامات متراكمة ومخالفات لا تنتهي، لأن الإله يفرض ما يشاء، ويسمي ذلك “سيادة القانون”.
الإعلام لم يعد فناً ولا منبراً للنقد، بل طقس مديح يومي يلمع صورة السلطة ويواري العطب. فالإله لا يقبل النقد، بل يطلب التصفيق الدائم.
أما التقاعد والضمان الاجتماعي، فقد تحولا إلى نهب منظم. يرفعون سن التقاعد، يثقلون كاهل الشباب، ويستدينون من أموال الضمان بكل أريحية، ليغطوا عجزهم اليوم ويسموه “حكمة”. غداً سيدفع الجيل الجديد فاتورة وهم الألوهية.
وتتكاثر الدوائر “المستقلة” كالفطر بعد المطر، لا لتخفف عن المواطن، بل لتضخم البيروقراطية وتزيد الكلفة. الإله يخلق ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل.
تنتشر الكاميرات المرورية في الشوارع لتصيد المخالفات، بينما لا توجد مواقف للسيارات، والمباني تُبنى بدونها. الأنظمة تقضي بأن يخصص كل بناء مواقف كافية حسب عدد الطوابق، لكن أغلب الملاك يتجاوزون ذلك أو يقللون منها. فتقوم أمانة عمان بتحصيل “بدل مواقف” من صاحب العقار، تمنحه الترخيص، وتُباع الشقق أو تُؤجر. يأتي المواطن ليسكن أو يشتري فلا يجد مصفاً، فيقف في أي مكان متاح، فتُحرر له مخالفة تتكرر كل يوم، ويظل يدفع ثمن مخالفاته مدى الحياة.
تتوالى الإعلانات الرسمية عن «خدمات جديدة» عبر تطبيق سند، بينما الخدمات الأساسية مشلولة: التأمين الصحي متوقف منذ أسابيع، والضمان عاجز عن تقديم الخدمة، والإجراءات الروتينية عقاب لا ينتهي. والإعلام المبتذل يردد الشعارات ويخفي الواقع، لأن الإله لا يحتاج إلى كشف حساب، بل إلى تمجيد مستمر.
كل هذه الأعراض — الجباية، البيروقراطية، الإهمال، الدعاية — ليست مشاكل منفصلة. إنها تجليات مرض واحد: حكومة ترى نفسها كاملة الذات، معصومة من الخطأ، رافضة للعلاج.
الإصلاح الحقيقي لن يبدأ إلا يوم تعترف هذه الحكومة أنها ليست إلهاً، بل جهازاً بشرياً فاشلاً يحتاج إلى جراحة جذرية. وحتى ذلك اليوم، سيبقى المواطن الأردني هو الذي يدفع الثمن غالياً… كل يوم.




الرد على تعليق