الخصخصة في الأردن .. بين الوعود والانتفاع .. مسرحية واحدة بأبطال متكررين
عمان جو-أمجد العواملة
منذ بداية الألفية صعدت الحكومات الأردنية على المسرح تحمل لافتة كبيرة: الخصخصة هي الحل. وعدوا المواطن بخدمات أرخص وكفاءة أعلى وديون أقل، لكن عندما أُطفئت الأضواء وبدأ العرض الحقيقي اكتشف الجمهور أن المسرحية ليست عن الإصلاح الاقتصادي بل عن توزيع الغنائم بين نخبة محدودة. الكهرباء الوطنية تحولت إلى بئر خسائر عميقة تجاوزت ستة مليارات دينار حتى 2024–2025، المواطن يلهث وراء فاتورة تتضخم شهرياً بينما شركات التوليد والتوزيع المخصخصة تحصد أرباحاً مضمونة بعقود طويلة الأمد، معادلة عبثية واضحة: خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر. الملكية الأردنية الطائر الذي كان رمزاً وطنياً احتاج إلى إنقاذ حكومي متكرر، ورغم تحقيق ربح صافٍ قدره 21.5 مليون دينار في 2025 إلا أن الأزمات المالية والإدارية ظلت تظهر بشكل دوري مع أسئلة معلقة حول المرحلة الأولى من الخصخصة. المياه ندرة طبيعية أضيفت إليها ندرة إدارية فارتفعت الفواتير دون أن يرتفع مستوى الخدمة بشكل ملموس لدى غالبية المواطنين. سكك حديد العقبة توقفت عملياً لسنوات بسبب الإهمال حتى جاء العقد الجديد مع الإمارات بقيمة 2.3 مليار دولار في 2026 لبناء خط 360 كم، صفقة إيجابية لكنها جاءت متأخرة كإسعاف لمريض ترك ينزف عقوداً طويلة. أما شركة الفوسفات فبقيت المثال الأكثر فجاجة، عقود مشبوهة، اتهامات بإساءة استخدام المنصب، وحكم غيابي على وليد الكردي بالسجن 18 عاماً وغرامة 191 مليون دينار. وفي عام 2026 جاء فصل جديد من المسرحية نفسها: ملف الأغنام الترانزيت، شكاوى سورية من تكاليف خدمات تصل إلى 20–21 ديناراً للرأس عبر شركات خاصة للكشف البيطري واللوجستيات، بعض التجار حولوا مسارهم إلى العراق والأردن يخاطر بخسارة جزء من دوره كممر إقليمي، الحكومة تتحدث عن “تكاليف خدمات” والنقاد عن “إتاوات غير شفافة”.
المشهد واحد والنمط متكرر: الخصخصة باعت المؤسسات العامة كالخراف في سوق خاص لمتنفذين بلا منافسة حقيقية، والترانزيت يعامل الأغنام العابرة كمؤسسات عامة تُحاصر بتكاليف وخدمات مشبوهة. النتيجة واحدة: المواطن يدفع فواتير الكهرباء والمياه، التاجر يبحث عن ممرات أرخص، والدولة تخسر أصولاً استراتيجية وفرص إيرادات. المشكلة ليست في فكرة الخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص بحد ذاتها — فهناك دول نجحت فيها — بل في التنفيذ المشوب بالانتفاع، غياب الشفافية الكاملة في العطاءات، ضعف الرقابة المستقلة، ورقابة غائبة بعد الصفقة. هيئة النزاهة تحقق وتصدر تقارير لكن الشعور الشعبي الواسع يقول إن “السمكة الكبيرة” غالباً ما تنجو.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مجاملة: متى تتحول الخصخصة والشراكات من أداة لإعادة توزيع الثروة العامة للقلة إلى أداة تنمية حقيقية تخدم المواطن والاقتصاد الوطني؟ الأردن يستحق أن يخرج من هذه المسرحية المكررة ويكتب نصاً جديداً، نصاً فيه منافسة حقيقية، شفافية كاملة، رقابة صارمة، ومخاطر يتحملها المستثمر لا المواطن.
عمان جو-أمجد العواملة
منذ بداية الألفية صعدت الحكومات الأردنية على المسرح تحمل لافتة كبيرة: الخصخصة هي الحل. وعدوا المواطن بخدمات أرخص وكفاءة أعلى وديون أقل، لكن عندما أُطفئت الأضواء وبدأ العرض الحقيقي اكتشف الجمهور أن المسرحية ليست عن الإصلاح الاقتصادي بل عن توزيع الغنائم بين نخبة محدودة. الكهرباء الوطنية تحولت إلى بئر خسائر عميقة تجاوزت ستة مليارات دينار حتى 2024–2025، المواطن يلهث وراء فاتورة تتضخم شهرياً بينما شركات التوليد والتوزيع المخصخصة تحصد أرباحاً مضمونة بعقود طويلة الأمد، معادلة عبثية واضحة: خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر. الملكية الأردنية الطائر الذي كان رمزاً وطنياً احتاج إلى إنقاذ حكومي متكرر، ورغم تحقيق ربح صافٍ قدره 21.5 مليون دينار في 2025 إلا أن الأزمات المالية والإدارية ظلت تظهر بشكل دوري مع أسئلة معلقة حول المرحلة الأولى من الخصخصة. المياه ندرة طبيعية أضيفت إليها ندرة إدارية فارتفعت الفواتير دون أن يرتفع مستوى الخدمة بشكل ملموس لدى غالبية المواطنين. سكك حديد العقبة توقفت عملياً لسنوات بسبب الإهمال حتى جاء العقد الجديد مع الإمارات بقيمة 2.3 مليار دولار في 2026 لبناء خط 360 كم، صفقة إيجابية لكنها جاءت متأخرة كإسعاف لمريض ترك ينزف عقوداً طويلة. أما شركة الفوسفات فبقيت المثال الأكثر فجاجة، عقود مشبوهة، اتهامات بإساءة استخدام المنصب، وحكم غيابي على وليد الكردي بالسجن 18 عاماً وغرامة 191 مليون دينار. وفي عام 2026 جاء فصل جديد من المسرحية نفسها: ملف الأغنام الترانزيت، شكاوى سورية من تكاليف خدمات تصل إلى 20–21 ديناراً للرأس عبر شركات خاصة للكشف البيطري واللوجستيات، بعض التجار حولوا مسارهم إلى العراق والأردن يخاطر بخسارة جزء من دوره كممر إقليمي، الحكومة تتحدث عن “تكاليف خدمات” والنقاد عن “إتاوات غير شفافة”.
المشهد واحد والنمط متكرر: الخصخصة باعت المؤسسات العامة كالخراف في سوق خاص لمتنفذين بلا منافسة حقيقية، والترانزيت يعامل الأغنام العابرة كمؤسسات عامة تُحاصر بتكاليف وخدمات مشبوهة. النتيجة واحدة: المواطن يدفع فواتير الكهرباء والمياه، التاجر يبحث عن ممرات أرخص، والدولة تخسر أصولاً استراتيجية وفرص إيرادات. المشكلة ليست في فكرة الخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص بحد ذاتها — فهناك دول نجحت فيها — بل في التنفيذ المشوب بالانتفاع، غياب الشفافية الكاملة في العطاءات، ضعف الرقابة المستقلة، ورقابة غائبة بعد الصفقة. هيئة النزاهة تحقق وتصدر تقارير لكن الشعور الشعبي الواسع يقول إن “السمكة الكبيرة” غالباً ما تنجو.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مجاملة: متى تتحول الخصخصة والشراكات من أداة لإعادة توزيع الثروة العامة للقلة إلى أداة تنمية حقيقية تخدم المواطن والاقتصاد الوطني؟ الأردن يستحق أن يخرج من هذه المسرحية المكررة ويكتب نصاً جديداً، نصاً فيه منافسة حقيقية، شفافية كاملة، رقابة صارمة، ومخاطر يتحملها المستثمر لا المواطن.




الرد على تعليق