إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

التطبيع: فلسفة موت معلنة


عمان جو-أمجد محمود العواملة

التطبيع ليس سياسة، بل هو انقلاب في الوعي، عملية جراحية بلا تخدير يُستأصل فيها القلب ويُزرع مكانه حجر. يبدأ كابتسامة في قصر، ثم يتحول إلى اتفاق، ثم إلى سفارة، ثم إلى مهرجان، حتى يصبح الاحتلال جارًا، والمستعمر شريكًا، والعدو واقعًا لا يُناقش.

التطبيع هو السرطان الذي ينهك الأمة، يتسلل بلا ضجيج، يزرع خلاياه في الإعلام والاقتصاد والثقافة حتى يصبح كل شيء ملوّثًا. ترى المذيع يرحّب بالقاتل، ترى الفنان يغني معه، ترى المستثمر يفتح له الأبواب، بينما دماء غزة لم تجف والقدس تُباع في المزاد.

التطبيع هو أن تتحول الخيانة إلى سياسة، وأن يُسمّى الانبطاح حكمة، وأن يُسوّق الاستسلام كسلام. هو أن تُقنع نفسك أن السرطان جزء طبيعي من جسدك، وأنك يجب أن تتعايش معه حتى يلتهمك. هو فلسفة موت تجعل من الانتحار بطولة، ومن بيع الأرض دهاءً، ومن دفن القضية الفلسطينية إنجازًا دبلوماسيًا.

التطبيع هو أن ترى القاتل يبتسم على شاشاتك، وأن تسمع صوته في نشراتك، وأن يشاركك في مهرجاناتك، بينما أطفال المخيمات ينامون على ركام البيوت. هو أن يتحول الاحتلال إلى صورة سياحية، والمستعمر إلى مستثمر، والعدو إلى واقع يجب أن نتعايش معه.

لكن اليوم لم يعد المرض عربيًا فقط، بل بدأ الغرب نفسه يرفضه. بدأ يكتشف أن إسرائيل ليست دولة طبيعية بل كيان استعماري ينهك القيم التي يدّعي الغرب الدفاع عنها. إيطاليا تلغي اتفاقيات دفاع، إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا تطالب بتعليق الشراكة الأوروبية، ملايين المواطنين يوقعون عرائض المقاطعة، الجامعات ترفض التعاون الأكاديمي، والمهرجانات الثقافية تغلق أبوابها أمام ممثلي الاحتلال. الغرب الذي طالما تواطأ، بدأ يرى الحقيقة عارية: إسرائيل ليست ضحية، بل جلاد، والتطبيع معها ليس سلامًا بل خيانة للقيم التي بُنيت عليها الحضارة الغربية نفسها.

التطبيع ليس سياسة، بل هو حفلة دفن جماعية للأمة، تُقام على أنغام موسيقى دبلوماسية بينما القبر يُحفر في صمت. من يقبل به، يقبل أن يعيش بلا هوية، بلا كرامة، بلا مستقبل. يقبل أن يسلّم مفاتيح روحه للجلاد، وأن يعلن موته قبل أن يُدفن.

 




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :