إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

لينا خوري: تعب المسرح لذيذ وهو راحة ونعمة


عمان جو - المفاجآت الفنية دائماً منتظرة من لينا خوري، فمنذ بداياتها كان الانطباع بأنها تتقن الخوض في الصعب. أما أن تكون حيال عمل مسرحي من 24 شخصية، وتالياً وضع بيروت المسترسلة في الفكاهة من ذاتها، بمواجهة عبث أثينا، لم يخطر ببال.

الكاتبة والمخرجة والأستاذة في الجامعة اللبنانية الأمريكية ختمت العام 2025 بمسرحية «أبو الزوس» معيدة إلى مسرح غولبنكيان ألقه بعد توقف نتيجة كورونا وأسباب أخرى. أقتبست نصّها من مسرحية «God» لوودي ألن.
مواجهة بين العبث الوجودي والعبث الهزلي أخذ طريقه بين ممثلين قديرين أولتهما لينا خوري دورين رئيسيين في «أبو الزوس» هما طارق تميم وسني عبد الباقي. الأول حاضر بثبات في المسرح والسينما والتلفزيون منذ سنوات، ويتحرك في أدواره وكأنها جزء منه، والثاني رشيق مُعبّرٌ جسداً وصوتاً، ويشق طريقه بثبات. إلى ممثلين كثر آخرين من خريجي الجامعة اللبنانية الأمريكية، أرادت المخرجة حضورهم مجدداً على خشبة المسرح الذي شكّل بداياتهم التعليمية.
لينا خوري وعبر خيار الهزل الذي رسمت عبره الحالة اللبنانية، أكدت مجدداً حرفيتها ودقتها. وإلى مسرح بمداخل متعددة، كُسر الجدار الرابع، بدأ الصوت من بين الجمهور، وتحرّكوا نزولاً إلى المسرح.
في «أبو الزوس» مات الإله، وكرجت الأسئلة المتضاربة بين فلسفة حياتنا، وتبسيطها، وبين عبثها وهزلها. الحقيقة الواضحة أن المخرجة التي اختارت الصعب، يمكنها أن ترتاح قليلاً من حمل ثقيل عاشت معه لأشهر بعد نجاحها، إنما شغفها سيأخذها للبحث عن تحدٍ مقبل.
مع لينا خوري هذا الحوار:
○ اقتباس اخترته مفعماً بالعبث والسخرية. العبث بماذا؟ والسخرية من ماذا؟
• النص المسرحي الأصلي لوودي آلن تضمن كل ما شاهدتموه على المسرح. كنت أمينة بشدّة للنص الأصلي، مع إسقاطات لبنانية، وقليل من الإضافات المناسبة لها. وأكرر العبث والسخرية وكسر الحائط الرابع موجود في النص الأصلي. إسقاطات وودي ألن تناولت مدينة نيويورك، فحولتها إلى لبنان. الأفكار والأنواع المسرحية التي تضمنها عرض «أبو الزوس» جميعها موجودة في النص الأصلي. اختياري لهذه الثيمات أتى بدافع من حقيقة ما نعيشه في العالم أجمع. نحن في مرحلة إعادة طرح الأسئلة بعد سقوط الأقنعة جميعها. كنا نلمس سقوط الأقنعة بكل تأكيد، إنما بعد الحرب على غزّة باتت شرعة حقوق الإنسان وشعارات الديمقراطية وما يتبعها من تفاصيل، ساقطة. كبشر نعيش في هذه المنطقة من العالم، وفي هذا الوطن الذي ننتمي إليه، تساؤلنا دائم عن معنى وجودنا؟ وعن الحياة المقدر لنا أن نعيشها؟ أسئلة فلسفية متعددة يعيد الإنسان طرحها على ذاته مع إشتداد الأزمات. أسئلة يطرحها الإنسان عندما يكون في أمان، وإن زنّره الخطر، ستكون أولويته حماية الروح. الأسئلة ليست بجديدة، بل عمرها بعمر الإنسان. مضمون الأعمال الفنية برأيي ينطلق من الأجواء العامة التي يعيشها الإنسان/الفنان سواء في وطنه أو على صعيد العالم. لماذا نعيد طرح الأسئلة نفسها؟ ذلك أننا نشهد تطوراً تكنولوجياً غير متوازي مع تطور الإنسان وفكره. فالعالم ما زال يعيش العصبية والتخلف والجهل. وتأتي الأعمال الفنية كرؤية جديدة تعيد طرح الأسئلة بقالب مسرحي فني، راقي، لبناني، وبرؤية مغايرة وخلاّقة، ومن ضمن المكان الذي نعيش فيه. وليس بالضرورة أسئلة كما طرحها نيتشيه، أو سارتر، أو وودي ألن.
○ هل يمكن القول إن صراع الأسئلة بداخلك في السنوات الأخيرة أثمرت نص «أبو الزوس»؟
• المسرح الذي كتبته وأخرجته وأنتجته قبل 20 سنة بدأ بـ«حكي نسوان»، بعدها انتقلت إلى المسرح الاجتماعي ومن ثمّ السياسي، ولاحقاً المسرح الفلسفي الوجودي. هو تغير مرتبط بالعمر وبالتجربة، خاصة في لبنان حيث تجارب البشر مكثّفة جداً. المسرح ليس علاجاً عيادياً ولا يُقدّم إجابات، بل يطرح الأسئلة، ويترافق مع الجمهور في رحلة ما. في «أبو الزوس» ترافقْت مع الجمهور في رحلة من التسلية والفرح. رحلة جمعت بين اللطشات، والأفكار العميقة، ومن ثمّ طرحنا السؤال عن المعنى، وإن كان موجوداً؟ وهكذا أعادتنا نقطة النهاية إلى البداية، وهو مفصل ذو دلالة في مسرح العبث. نذهب في رحلة ولا نجد الجواب عن المعنى. هذا هو الخط العريض، وللجمهور حرية التحليل.
○ بدأت رحلة المتاعب مع دخولك المرحلة الثالثة من علاقتك بالمسرح. إنها مرحلة الأسئلة المقلقة؟
• تضحك وتقول: يقال بأن من يفكّر يتعب. لكل إنسان تفكيره وشخصيته، وحظوظه في الحياة. تعنيني المراجعة التي يجريها الإنسان لحياته. كيف فكّر؟ وعاش؟ وما هي الموروثات الفكرية والثقافية الموجودة لديه؟ حينها تصبح مراجعة الذات ملحة، وتالياً طرح نتائجها على الناس. رحلة متاعب؟ بالتأكيد الحياة السطحية لن تمنحني الراحة الذاتية. تعب المسرح لذيذ. منذ ستة أشهر وتفكيري وقلبي وجهدي مع المسرح. تعبت صحيح، إنما وجدت النتيجة. وصلت رسالتي عبر فني. إنها أجمل اللحظات التي أعيشها في الحياة. المسرح بالنسبة لي راحة ونعمة، وفيه أجد ذاتي.
○ بدأت بنضج إنساني في الطرح المسرحي مع «حكي نسوان». بلوغ عرض «أبو الزوس» هو نتيجة واقع يعجننا ويخبزنا يومياً أم اجتهاد على الذات؟
• هو الاجتهاد لتطوير الذات بالتأكيد. ولكل مسعاه على هذا الصعيد. للبعض مسار تصاعدي متواصل، وللبعض الآخر هبوط وصعود. التجربة خير معلم. وتراكم الخبرات نقطة مفصلية، إلى التطوير الذاتي المتواصل. شواهد عالمية تفيد بأن الشعوب الحُبلى بالمصائب تصيبها عدوى الخلق والإبداع، وتكون حيال دفق عناوين متاحة للمعالجة على مستوى المسرح وغيره من فنون الإبداع. في حين تتشابه نسبياً موضوعات الناس المرتاحين السعداء. بينما موضوعاتنا مُكثّفة جداً. وهذا ما لمسته وسمعته في أحد المؤتمرات حيث حسدنا مسرحي إنكليزي بقوله: «نيالكم» نحن نعاني للوصول إلى فكرة، بينما لديكم سيل من الأفكار، وهذا ما تكرر على مسمعي مراراً.
○ يُشهد لك فعلاً بالاقتباس الذي نقلته إلى خشبة المسرح عودة إلى المسرح اليوناني و500 سنة قبل الميلاد واستدراج الحوار إلى حاضرنا. ما هي اللعبة التي حكمت التنقل المرن بين أثينا وبيروت؟
• يعود الفضل لوودي ألن، الذي كتب نصه بين أثينا ونيويورك. دخل المسرح الغربي في أيام الإغريق عصره الذهبي. في النص كاتب وممثل من نيويورك يؤديان شخصيتين إغريقيتن، ويبحثان عن نهاية لمسرحيتهما، وخلال بحثهما يُكسر الحائط الرابع مراراً، وتختلط الأمور بين الحقيقي والمتخيل. هو خلط ذكي جداً ومجنون في نص وودي ألن. طلبت الإذن رسمياً من المكتب الذي يمثّله لاستبدال نيويورك ببيروت. ولأني أعرف جيداً المسرح الإغريقي كان سهلاً معرفة الدلالات في النص. وصِف الإقتباس بالجيد جداً لأني ككاتبة أعرف جيداً الدراما، وكذلك ما يدور في الوطن الذي نعيش فيه. لهذا جاءت الإسقاطات في مكانها الصحيح مع بعض الإضافات، وتمثلت بجنون مضاف مستوحى من جنون وودي ألن، والالتزام بالأمانة الكبيرة لتركيبة النص، فالفكرة لألن، وانا من لبننها.
○ من الخلاصات المرّة في أبو الزوس «بطلنا نعرف شو هو الحقيقي.. بتعرفوا الوهم». هذا واقعنا أم واقع أثينا قبل 500؟
• بل خلطة الإثنين معاً، والمقصود واقعنا. خلطة فلسفية حكى عنها افلاطون وهي موجودة عبر العصور. والسؤال المطروح على مدار الأيام، هل نحن نعيش الوهم؟ أم نعيش الحقيقة؟ الإسقاطات متاحة للجميع. ونحن ندّعي أننا نملك الحقيقة. وعندنا كل يدعي امتلاك الحقيقة والرؤيا الصائبة خاصة الأحزاب. وكأفراد كل منا يدعي أن طريقة حياته هي الصحيحة. الحقيقة من الكلمات الكبيرة، وما من أحد قادر على الإلمام بكافة جوانبها.
○ الآلة الضخمة التي اقتحمت المسرح وهزتنا أصواتها هل هي من ضمن الإقتباس السينوغرافي كذلك؟
• إنها الألة الأولى التي اخترعها الإغريق للمسرح اسمها مترجماً من الإنكليزية هو «الإله في مكنة». لدى الإغريق نوعان من المسرح، الأول لأجل القديسين كوميديا وتراجيديا، وفي الثاني يموت البطل أو تحل به مصيبة عظيمة. ولهذا تمّ اختراع هذه الماكينة لتُعبّر عن نهاية الأمل. وإذ بإله الآلهة «زوس» ينزل ويخلّص البشر. السؤال هل الخلاص يأتي من ألوهة معينة ومن خارج عالمنا، ولا يمكننا لمسه شخصياً؟ داخل المسرحية تتواجد فلسفة سارتر الوجودية، وفلسفة نيتشه. وعندما يقرر العبد أن يكون بطلاً، يأتي من يصارعه على هذا الدور، لكنه يقرر مصيره بيده. فهل نحن قادرون على الإمساك بمصيرنا؟ وهل خلاصنا من الخارج؟ وهل نحن نعيش ضمن فوضى كاتب بداخل آخر؟ وهناك من كتب الجمهور، ومن كتب المسرحية؟ وهل من منطق محدد في رأسي؟ أم نعيش ضمن فوضى غوغائية؟
○ من في هذه الأرض ومحيطتها برأيك ينتظر «زوس إله الآلهة»؟ وهل سيأتي يوماً «ليخلص الناس المعترة»؟
• القرار يعود للجمهور. يقولون إن الخلاص يأتي من الخارج. يصار لتجريبه في المرة الأولى فتأتي النتيجة جيدة جداً. لكن عندما تتعطل الماكينة فإذا بـ«زوس مشنوقاً». إذاً نحن متروكون.
○ هل كان سهلاً جمع هذا العدد من الخريجين في عمل مسرحي واحد؟
• سهل وصعب في آن. كل من اتصلت بهم هبوا مسرعين، وجميعهم من متخرجي الجامعة اللبنانية الأمريكية. في هذا العرض الكثير من الحب والإندفاع لعودة العطاء للمسرح، وللجامعة، وللطلاب. وجميعنا متأثرون بمسرح الغولبنكيان، فهو من أجمل وأفضل المسارح في المنطقة على الإطلاق، ويتميز بتقنيات عالية جداً. جميعنا يحبه لأننا لعبنا على خشبته وتخرجنا منه. كل من اتصلت بهم لبوا الطلب. أحدهم ترك عمله خارج لبنان وجاء للمشاركة في العروض، ويسافر لأيام ثم يعود. طارق تميم وطلال الجردي مرتبطان بأعمال درامية بذلا جهداً كبيراً للمشاركة في التمارين ومن ثم العروض. وأكثرهم قام بتنازلات للمشاركة في هذه المسرحية. وبعضهم اتصل سائلاً لماذا جرى استثناءه؟ كتبت لـ24 شخصية، وهذا مرهق بما فيه الكفاية على صعيد التمارين. أنجزت التمارين وفق المشاهد المتقطعة، وهذا كان الأكثر صعوبة.
○ لكنها تجربة مميزة رغم صعوبتها؟
• فعلاً. رغبت بإعادة التقليد العريق الذي درجنا عليه لزمن طويل ويتمثل بعملين مسرحيين كبيرين كل عام على خشبة غولبنكيان. توقفت العروض في الجامعة منذ ست سنوات لأسباب متعددة منها الجائحة. سررت جداً بإحياء تقليد عريق يميزنا.
○ ولم تكن لمسرحيات الطلاب عروض طويلة الأمد؟ فهل توقعتم اقبالاً على «أبو الزوس»؟
• كانت العروض تمتد إلى ثمانية أيام لأسبوعين. مع «أبو الزوس» توزعت الثمانية عروض على ثلاثة أسابيع تبعاً لإرتباطات الممثلين.
○ مــاذا عن مشــاعرك الشخصية وهل وجدت تحــديات في هــذا النوع من المسرح؟
• تخامرتي مجموعة من المشاعر في طليعتها القلق الدائم. وكذلك الفرح والشغف والحب والتوتر. يكفي أن يكون أحدنا حيال عشرات المهمات المتنوعة. أتابع كافة التفاصيل بنفسي من التصاميم إلى الإنتاج والتصوير، كنت حيال ضغط كبير. قلقة صحيح، لكني فرحة بالعمل، ففيه أجد نفسي. ولأننا في وسط يسوده الإنحطاط العام سؤالي الدائم لذاتي إن كان ما نقدمه سيصل للناس وسيتمكنون من استيعابه؟ هو السؤال الأصعب؟ بدون ذلك نواجه الفشل. سعي دائم لعمل ناجح فنياً وجماهيرياً.
○ أغلب العروض تكتفي بممثل أو إثنين مرّ زمن لم نكن حيال 24 ممثلا على الخشبة؟
• مسرورة جداً لردة فعل الجمهور. بعضهم يقول إن العرض أخذه في رحلة بعيداً عن الواقع الذي نعيشه. منهم من قال «تركتنا نفكر بأسئلة جدية بطريقة مُسلية وسهلة». جملة ترددت كثيراً. وأكثر ما يسرني أني أعدت الروح لمسرح الجامعة، رغم صعوبة العمل.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :