إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

إدارة النفايات على مفترق طرق .. هل تنجح الخصخصة أم تعيد إنتاج الأزمة؟


عمان جو - 

 يدخل ملف إدارة النفايات في الأردن مرحلة "اختبار حاسمة" مع التوجه نحو الخصخصة، في خطوة تنقل هذا القطاع من إطار الجدل النظري إلى واقع التجربة العملية. 

 


ومع دخول شركات خاصة على خط التشغيل، يبرز سؤال مركزي لا يدور حول "جدوى" الخصخصة بحد ذاتها، بل حول قدرتها على التنفيذ السلس دون إرباك الخدمات اليومية أو المساس بالبعد الاجتماعي والبيئي.
وفي قلب هذا التحول والتوجه الحكومي إذا تم تنفيذه، يبرز فاصل حاسم بين نجاح التجربة أو تعثّرها، إذ لا يُقاس التغيير بحجم العقود، أو سرعة التوقيع، بل بمدى صلابة الإطار الرقابي والتشريعي الناظم لها، وفق خبراء.
ويتقدّم البعد الإنساني والاجتماعي إلى واجهة النقاش بين الخبراء، لا سيما ما يتصل بحقوق عمال الوطن، ودمج خبراتهم في نماذج تشغيل حديثة، إلى جانب التحديات البيئية المرتبطة بضعف الفرز من المصدر، وغياب الاستثمار الحقيقي في التدوير والطاقة.
وبين من يرى في الخصخصة فرصة تنموية واستثمارية، ومن يحذّر من اختزالها كحل سريع، تتبلور الحاجة إلى نموذج شراكة متوازن يضع المصلحة العامة والاستدامة في صدارة الأولويات.
توخي الدقة
ويمكن القول إن أمانة عمّان انتقلت فعليًا من مربع "التنظير" إلى مربع "التجربة الحية"، بتوقيعها عقودًا بقيمة 180 مليون دينار مع ثلاث شركات خاصة هذا الشهر، لكن لا بد من توخي "الدقة الشديدة" في الطرح؛ فالتوقيع هو بداية "التحدي"، وفق الخبير في الشأن البلدي د. أسامة العزام.
وتابع العزام قائلاً لـ"الغد": "نحن مقبلون الآن على مرحلة انتقالية حرجة تمتد لمدة 6 أشهر، وهذه الفترة هي المختبر الحقيقي الذي سيحكم على التجربة". 
ويبقى السؤال الجوهري اليوم، في رأيه، ليس بهل نذهب إلى الخصخصة، لأن القرار اتخذ، بل بهل ستتمكن هذه الشركات من استلام المهام بسلاسة دون إحداث إرباك في المشهد اليومي للمدينة؟
وهنا يكمن "المحك"، ونحن نراقب هذه التجربة عن كثب؛ لأن "نجاح" هذه الأشهر الأولى هو ما سيعطي الضوء الأخضر لتعميم النموذج على باقي البلديات، أو إعادة تقييم الحسابات، تبعا له.
وفيما يخص التحدي الاجتماعي الكامن في مصير عمال الوطن، أكد العزام أنه جرى التعامل معه "بحرفية" في العقود الجديدة؛ إذ اشترطت أن تكون نسبة 70 % من كوادر الشركات الخاصة المشغِّلة من عمال الوطن التابعين للأمانة. 
وهذا الشرط يحوّل التحدي إلى "فرصة"؛ فهو يضمن "الأمان الوظيفي" من جهة، ويدمج الخبرة المحلية في منظومة إدارة حديثة من جهة أخرى، ما يجنبنا "أخطاء" تجارب دول أخرى "تعثرت" لأنها "تجاهلت" العنصر البشري المحلي، كما أفاد.
ولعل الدروس المستفادة تكمن كما يقوم العزام من تجربة مدينة العقبة التي أثبتت أن "الخصخصة" لا تعني أن تكف البلدية يدها عن هذا الملف، بل أن يتغير دورها جذريًا. 
واعتبر أن النجاح في العقبة لم يكن بفضل الشركة الخاصة وحدها، بل بوجود "سلطة رقابية قوية" تملك الملاءة المالية "لمحاسبة" المقصرين وفرض "الغرامات فورًا"، فالخصخصة تنجح فقط عندما تتحول البلدية من "مشغِّل إلى مراقب".
وأكد وجوب أن يتجاوز الطموح مسألة جمع ونقل النفايات إلى الاستثمار في النفايات، فالنماذج الناجحة في مدينتي الشارقة ودبي لم تكتفِ بالتنظيف، بل استثمرت في محطات عملاقة لتحويل النفايات إلى طاقة وكهرباء، تمامًا كما تفعل السويد التي تستورد النفايات لتشغيل محطات التدفئة.
وشدد على أن الخصخصة أداة "فعّالة" لرفع الكفاءة وتحديث الأسطول بعيدًا عن "البيروقراطية"، لكنها ليست "حلًا سحريًا" بحد ذاتها. 
ولنجاحها وتعميمها، اشترط العزام "دمج" البلديات الصغرى في عطاءات إقليمية موحّدة لتقليل الكلف، مع إدراك أن توقيع العقد هو بداية مرحلة "رقابة صارمة" تضمن حق المواطن في خدمة نوعية.
فرصة تنموية
ومن وجهة نظر رئيسة حملة "همة ولمة" لانا حمارنة فإن ملف إدارة النفايات في الأردن يمثل فكرة واقعية ومهمة جدًا، بل ويمكن القول بأنها "فرصة" استثمارية وتنموية، وبيئية في آنٍ واحد. 
وأشارت حمارنة إلى أن الأردن يعاني فعليًا من تحديات هيكلية في قطاع إدارة النفايات الصلبة، لكن هذه التحديات تفتح الباب أمام "حلول" مبتكرة، و"شراكات ذكية" بين القطاعين العام والخاص، إذا تم التعامل معها على هذا الأساس، وبشكل "جدي".
لكنها اشترطت لنجاح هذه الفكرة أن تتعاون جميع الجهات على إيجاد الحلول لها، وأن تنفذ على مراحل، مع إطلاق حملات توعوية بالتعاون مع المجتمع المحلي والمدني. 
وأرجعت الأسباب وراء نجاح هذه الشراكة إلى الدعم الحكومي المتزايد في ظل إطلاق الحكومة الإستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة 2022–2030 والتي تُركّز على تقليل كمية النفايات المرسلة إلى المكبات، والذي يتطلب رفع الوعي من خلال الحملات، وفرض عملية فصل النفايات من المصدر.
ولا بد، بحسبها، من تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص، والبدء مع الشركات الخاصة مثل المطاعم، والمولات والأسواق التجارية وغيرها، وتحسين البنية التحتية للجمع والنقل، التي تحتاج لعدد أكبر من السيارات المتخصصة. 
كما يجب أن يتلقى عمال الوطن تدريبات وانخراطا في ورش عمل متخصصة لإطلاعهم على كافة الممارسات والآليات التي يجب التعامل فيها مع المخلفات.
وأضافت أن التمويل الدولي المتاح يجب استغلاله بهدف تحسين إدارة ملف النفايات، في ظل أن الخدمات الحالية المقدمة من الجهات في التعامل مع المخلفات "غير كافية"، خاصة في المناطق الريفية والبلديات الصغيرة، ومناطق الكثافة السكانية، ما يخلق فرصًا لشركات ناشئة أو مشاريع اجتماعية وتجارية لتقديم حلول مبتكرة.
ولأن الوعي المجتمعي في تزايد، أكدت حمارنة أن ثمة مطالبات رافقتها بضرورة تحسين خدمات النظافة، وخاصة مع معاناة المواطنين في فصل الصيف من انتشار القوارض والحشرات وغيرها بسبب المخلفات المنتشرة في الشوارع والطرق، وعدم وضع أغطية محكمة لإغلاق الحاويات.
وفي رأيها فإن الحل للتعامل مع المخلفات لا يكمن فقط في توزيع الحاويات لأنها "غير كافية العدد"، بل بإجراء مسح ميداني لتحديد الكثافة السكانية، ومعدلات إنتاج النفايات، ونقاط التكدس.
وشددت على أن هنالك حاجة ملحة لفرض قانون على مالكي العمارات يفضي الى إيجاد نظام للتخلص من النفايات العضوية مثل الطعام، أما باقي المخلفات فيجب وضع حاويات لفرزها. 
وهذه الخطوة يجب أن يرافقها، كما ذكرت حمارنة، توزيع الحاويات بناءً على مؤشرات موضوعية من بينها عدد السكان، ونوع الاستخدام إذا كان سكنيا، أو تجاريا، ولا بد أن تكون مزودة بأجهزة استشعار لمستوى الامتلاء، لتوجيه سيارات الجمع فقط عند الحاجة، ما يقلل التكاليف ويحسن كفاءة الجمع.
ووضعت حلاً لما أسمته ضعف اختيار مواقع الحاويات من خلال تطوير خريطة حرارية لمواقع التخلص العشوائي من النفايات، وإشراك المجتمع المحلي عبر منصات رقمية مثل تطبيقات البلديات للمساعدة في تحديد المواقع المناسبة.
وفي شأن رفع قدرة كفاءة نظام الجمع والنقل، دعت الحمارنة لتحسين مسارات الجمع باستخدام أنظمة تحديد المواقع (GPS)، وتخطيط المسارات الذكي، وتوحيد جداول الجمع بين البلديات المجاورة لتقليل التكرار والتكاليف، مع تدريب السائقين وعمال النظافة على أفضل الممارسات.
ويمكن التقليل من التحديات اللوجستية والجغرافية في هذا الملف عبر خطوات ذكرتها بـاستخدام مراكز تجميع وسيطة لتجميع النفايات قبل نقلها للمكبات الرئيسة، وتوظيف سيارات صغيرة لجمع المخلفات من الأحياء التي لا تستطيع الشاحنات الكبيرة الوصول إليها.
وأما في المخيمات أو المناطق ذات الكثافة العالية، فحثت على تصميم برامج مخصصة بالتعاون مع المنظمات الدولية، وتقديم الخدمة للبلديات بموجب عقود أداء، وفرض رسوم رمزية على المنشآت التجارية مقابل خدمة مخصصة.
ولكن العمل لا يكتمل إلا بالتحول الرقمي، وفق حمارنة، وبواسطة إطلاق تطبيق جوال يسمح للمواطنين بالإبلاغ عن الحاويات الممتلئة أو المفقودة.
لا حل سحريا
من حيث المبدأ، لا يمكن اعتبار الخصخصة "حلًا سحريًا"، ولا "رفضها بالمطلق"، ما يحتاجه الأردن هو نموذج شراكة "مدروس" بين القطاعين العام والخاص، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان.
وفي النموذج الذي قدمه الشوشان فإن الدولة تبقى الجهة المنظمة والرقابية، بينما يساهم القطاع الخاص في تحسين الكفاءة التشغيلية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وتطوير حلول قائمة على التدوير والمعالجة بدل الاعتماد شبه الكامل على الطمر.
ولفت إلى أن القطاع الخاص يمتلك إمكانات مهمة، لكنه يعمل بـ"منطق الربح"، وهنا تكمن أهمية وجود إطار تشريعي وتنظيمي "صارم" يضمن الالتزام بالمعايير البيئية والصحية، ويمنع "الاحتكار"، ويحمي المصلحة العامة. 
وشدد على أن إدارة النفايات تمس الصحة العامة والموارد الطبيعية، ولا يمكن تركها دون "رقابة فعالة".
كما أن أي توجه نحو الخصخصة، بحسب رأيه، لن "ينجح" دون معالجة جذور المشكلة، وعلى رأسها "غياب" الفرز من المصدر، و"ضعف" الوعي المجتمعي، وعدم دمج مفهوم الاقتصاد الدائري في السياسات الوطنية بشكل فعلي. 
وأضاف إلى ذلك ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي، خصوصًا العاملين في القطاع غير المنظم، لضمان انتقال "عادل" لا يخلق "أزمات" جديدة.
وفي المحصلة، يمكن أن تكون الخصخصة جزءًا من الحل إذا جاءت ضمن رؤية شاملة، تقوم على الحوكمة الرشيدة، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، وليس كحل سريع لترحيل الأزمة من القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص، تبعا له.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :