إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

لا تُهملوا شظايا العدوان… احفظوها لذاكرة الوطن


عمان جو-الكاتب والمحلل الامني د. بشير الدعجه.

في لحظةٍ ما… وبين صوت انفجارٍ بعيد وصفير إنذارٍ عابر… كان هناك أردني يقف على سطح منزله يحدّق في السماء… لا يرى صاروخًا فقط… بل يرى وطنًا يُحمى أمام عينيه… يرى رجالًا يسابقون الزمن ليمنعوا نارًا من الوصول إلى أطفاله… تلك اللحظة لا يجب أن تُنسى… ولا أن تُختزل بخبرٍ عابر… بل يجب أن تتحول إلى ذاكرة حيّة تُحكى وتُصان وتُعرض للأجيال.

من هنا… تأتي هذه المناشدة الصادقة… وهذه الدعوة الوطنية المباشرة… لحفظ كل ما تبقى من المقذوفات والشظايا التي أسقطتها الدفاعات الجوية الأردنية وسلاح الجو الملكي… وعدم التعامل معها كمخلّفات عابرة… بل كشواهد سيادية تحمل في طياتها قصة اعتداءٍ تم إفشاله… ورسالة قوةٍ كُتبت في السماء قبل أن تسقط على الأرض.

هذه الشظايا ليست قطعًا معدنية بلا قيمة… بل وثائق ميدانية حيّة… كل جزءٍ منها يختزن قرارًا عسكريًا حاسمًا… لحظة اعتراض دقيقة… جهدًا احترافيًا عالي المستوى… إنها الفارق بين خطرٍ كان يمكن أن يضرب المدن… وأمانٍ تحقق بفضل جاهزية مؤسساتنا العسكرية والأمنية… إنها قصة وطن انتصر بصمت… ويجب أن يروي انتصاره بصوتٍ واضح.

إن إنشاء متحف وطني حديث… يضم هذه المقذوفات والشظايا… لم يعد خيارًا ثانويًا… بل ضرورة استراتيجية… متحف يُعيد بناء المشهد… يُحاكي لحظات الاشتباك… يشرح للأجيال كيف حُمي الوطن… ويُرسّخ في الوعي الجمعي أن الأمن لم يكن صدفة… بل نتاج عقيدة… وكفاءة… وتضحيات.

وهنا… لا بد من استحضار درسٍ مؤلم من التاريخ… معركة الكرامة… ذلك الانتصار الذي أعاد للأمة ثقتها بنفسها… لكنه لم يُوثّق ماديًا بالشكل الذي يليق به… حيث أُزيلت الكثير من آليات العدو ومعداته… فضاعت فرصة تحويل النصر إلى ذاكرة بصرية خالدة… هذا الخطأ لا يجوز أن يتكرر… لأن الأمم التي لا تحفظ شواهد انتصاراتها… تُضعف قدرتها على ترسيخها في وجدان أبنائها.
لكن التحدي لا يقف عند التوثيق فقط… بل يمتد إلى حماية هذه الشواهد من العبث أو الضياع.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة وحازمة… أي مواطن يعثر على أي جزء من مقذوف أو شظية… لا يملك حق الاحتفاظ بها… ولا بيعها… ولا تداولها بأي شكل… هذه ليست مقتنيات شخصية… بل أدلة سيادية ومواد خطرة في آنٍ واحد… وقد تحتوي على بقايا متفجرة أو مواد مؤذية… والعبث بها يُشكّل خطرًا مباشرًا على الحياة… ويُعرّض صاحبه للمساءلة القانونية.

الواجب الوطني يفرض تسليم أي مقذوفات أو شظايا فورًا إلى الأجهزة المختصة في الأمن العام… لأن كل قطعة تُسلَّم… تُسهم في بناء رواية وطنية دقيقة… وتدعم جهد الدولة في التوثيق والحفظ… وتحمي المجتمع من خطرٍ محتمل.

كما أن المرحلة تتطلب إطلاق حملات توعوية شاملة… تُبيّن خطورة هذه المواد… وتُعزز ثقافة الإبلاغ… مع توفير آليات سريعة وآمنة لاستلامها من المواطنين… بما يُشجع على التعاون ويُرسّخ الشراكة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

إننا اليوم أمام فرصة لا تتكرر… لصناعة ذاكرة وطنية صلبة… تُخلّد لحظة تصدّي… وتُحوّل الخطر إلى درس… والاعتداء إلى شهادة قوة… فالشظية التي تُترك للنسيان… تفقد معناها… أما التي تُحفظ وتُعرض… فتصبح جزءًا من هوية وطن… ورسالة بقاء للأجيال القادمة.
احفظوا الشظايا… لأنها ليست بقايا حرب… بل بداية رواية وطن لا يُهزم.

#د. بشير _الدعجه




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :