إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

سياسة الخطوط: من الخرائط إلى الذاكرة العربية


عمان جو-الاحتلال في صورته الحديثة لم يعد يقتصر على الدبابات أو الغزو المباشر، بل صار يبدأ بخطوط تُرسم على الخرائط. هذه الخطوط ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي رموز استعمارية تحمل في طياتها مشروعًا متدرجًا للسيطرة على الأرض والإنسان. في لبنان، كما في فلسطين، تحولت الألوان إلى مراحل: الأحمر، الأزرق، الأبيض، الأصفر. كل خط هو خطوة جديدة في مسار طويل يهدف إلى تحويل الجغرافيا إلى أداة اقتلاع، والخرائط إلى سلاح سياسي.

الخطوط هنا ليست بريئة؛ فهي تعيد إنتاج منطق النكبة والنكسة، لكنها بصيغة جديدة. السيطرة على منابع الليطاني، تهجير سكان خمسٍ وخمسين قرية، هدم المنازل، بناء قواعد عسكرية تتحول إلى مستوطنات… كلها نتائج ملموسة لسياسة تبدو في ظاهرها “إدارية” أو “أمنية”، لكنها في جوهرها استعمارية.

من الناحية الفلسفية، يمكن النظر إلى هذه الخطوط باعتبارها حدودًا للذاكرة بقدر ما هي حدود للأرض. فالخط الأحمر يعلن بداية السيطرة، الأزرق يضفي شرعية دولية زائفة، الأبيض يطمس الحدود الطبيعية والتاريخية، والأصفر يكرّس الاستيطان. إنها ليست مجرد مراحل سياسية، بل رموز ثقافية تعيد تشكيل وعي الشعوب، وتفرض على الذاكرة العربية أن تعيش نكبة جديدة في كل مرة يُرسم فيها خط.

الخطوط أيضًا تحمل بعدًا رمزيًا: فهي أدوات لتقسيم الهوية، لتفتيت الانتماء، ولإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه. وكأن الاحتلال يقول: “لن أحتل أرضك فقط، بل سأعيد رسمها، وأعيد تعريفها، وأحوّلها إلى خرائط جديدة لا تعترف بك.” هذا هو جوهر الاستعمار الحديث: ليس فقط السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المعنى.

في الذاكرة العربية، الخطوط ليست مجرد ألوان، بل هي جروح مفتوحة. من سايكس-بيكو إلى الخطوط الإسرائيلية في لبنان، كل خط هو علامة على فقدان السيادة، على اقتلاع الهوية، على إعادة إنتاج النكبة. إننا أمام استعمار يرسم نفسه بالمسطرة والألوان، لكنه يترك أثره في القرى المهجرة، في منابع المياه المسلوبة، وفي البيوت المهدمة.

المطلوب اليوم هو قراءة هذه الخطوط ليس فقط كخرائط، بل كخطاب استعمار جديد. المطلوب أن نربط بين الرمزي والواقعي، بين الفلسفي والسياسي، لنكشف أن الاحتلال لم يتغير في جوهره، بل غيّر أدواته. المطلوب أن نرفض أن تتحول الخرائط إلى قدر، وأن نؤكد أن الخطوط التي يرسمها المستعمر ليست نهاية التاريخ، بل بداية مقاومة جديدة.

لن يُكتب مصير لبنان بخطوط الاحتلال، ولن تتحول الذاكرة العربية إلى خرائط استعمارية جديدة.

أمجد العواملة




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :