هندسة القبول: استطلاع بلا جمهور
عمان جو-أمجد عوآملة
“الأرقام براقة.. لكن الواقع هش”
بعد عام ونصف على تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية استطلاعاً جديداً للرأي العام. الأرقام المعلنة تبدو براقة في ظاهرها: 54% من المواطنين و53% من قادة الرأي يرون أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، و62% يعتقدون أن الحكومة قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، فيما بلغت الثقة العامة بالحكومة 66%.
لكن التدقيق في التفاصيل يكشف أساساً هشاً لهذه النسب. فـ68% ممن يرون الاتجاه إيجابياً يعزون ذلك أساساً إلى الأمن والاستقرار، بينما لا تتجاوز نسبة من نسبوا الإيجابية إلى تحسن الأوضاع بشكل عام 8% فقط. والأكثر دلالة أن حوالي 10% فقط قالوا إن وضعهم الاقتصادي الشخصي قد تحسن.
يعني ذلك بوضوح أن الرضا الشعبي المعلن ليس انعكاساً لسياسات اقتصادية ناجحة أو خدمات ملموسة، بل لشعور بالأمن في محيط إقليمي مضطرب. الاستطلاع إذن يعكس ثقة سياسية وأمنية في سياق إقليمي متوتر، لكنه لا يعكس تحسناً حقيقياً في حياة الناس اليومية.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو غياب الإعلان العام عن إجراء الاستطلاع، وعدم وجود أي مشاركة شعبية واسعة أو حتى حملة توعية مسبقة. معظم المواطنين — وحتى في الأوساط الإعلامية والفنية — لم يعلموا به إلا بعد نشر النتائج. هذا يجعله أقرب إلى ممارسة من ممارسات هندسة القبول: صناعة صورة ذهنية إيجابية عبر أرقام منتقاة، أكثر من كونه قياساً علمياً محايداً وشفافاً للرأي العام.
هذا الاستطلاع ليس مجرد أداة لقياس الرأي، بل يبدو ممارسة لإدارة الانطباع.
القبول الشعبي الحقيقي لا يُبنى على الأمن وحده، ولا على أرقام تُعلن فجأة في الصحف والمواقع الرسمية. إنه يُبنى على واقع يومي يلمسه المواطن في معيشته وخدماته وفرص عمله. الأرقام مهما بدت براقة لا تصنع شرعية دائمة، والشرعية الحقيقية تُبنى على سد الفجوة بين الاستقرار الأمني والاستقرار المعيشي.
وإلا بقيت كل هذه النسب مجرد إدارة انطباع.. لا أكثر.
عمان جو-أمجد عوآملة
“الأرقام براقة.. لكن الواقع هش”
بعد عام ونصف على تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية استطلاعاً جديداً للرأي العام. الأرقام المعلنة تبدو براقة في ظاهرها: 54% من المواطنين و53% من قادة الرأي يرون أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، و62% يعتقدون أن الحكومة قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، فيما بلغت الثقة العامة بالحكومة 66%.
لكن التدقيق في التفاصيل يكشف أساساً هشاً لهذه النسب. فـ68% ممن يرون الاتجاه إيجابياً يعزون ذلك أساساً إلى الأمن والاستقرار، بينما لا تتجاوز نسبة من نسبوا الإيجابية إلى تحسن الأوضاع بشكل عام 8% فقط. والأكثر دلالة أن حوالي 10% فقط قالوا إن وضعهم الاقتصادي الشخصي قد تحسن.
يعني ذلك بوضوح أن الرضا الشعبي المعلن ليس انعكاساً لسياسات اقتصادية ناجحة أو خدمات ملموسة، بل لشعور بالأمن في محيط إقليمي مضطرب. الاستطلاع إذن يعكس ثقة سياسية وأمنية في سياق إقليمي متوتر، لكنه لا يعكس تحسناً حقيقياً في حياة الناس اليومية.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو غياب الإعلان العام عن إجراء الاستطلاع، وعدم وجود أي مشاركة شعبية واسعة أو حتى حملة توعية مسبقة. معظم المواطنين — وحتى في الأوساط الإعلامية والفنية — لم يعلموا به إلا بعد نشر النتائج. هذا يجعله أقرب إلى ممارسة من ممارسات هندسة القبول: صناعة صورة ذهنية إيجابية عبر أرقام منتقاة، أكثر من كونه قياساً علمياً محايداً وشفافاً للرأي العام.
هذا الاستطلاع ليس مجرد أداة لقياس الرأي، بل يبدو ممارسة لإدارة الانطباع.
القبول الشعبي الحقيقي لا يُبنى على الأمن وحده، ولا على أرقام تُعلن فجأة في الصحف والمواقع الرسمية. إنه يُبنى على واقع يومي يلمسه المواطن في معيشته وخدماته وفرص عمله. الأرقام مهما بدت براقة لا تصنع شرعية دائمة، والشرعية الحقيقية تُبنى على سد الفجوة بين الاستقرار الأمني والاستقرار المعيشي.
وإلا بقيت كل هذه النسب مجرد إدارة انطباع.. لا أكثر.




الرد على تعليق