إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية
  • الرئيسية
  • مقالات

  • الحقيقة والسلطة: جدلية التأويل في تشكيل الوعي الديني والسياسي

الحقيقة والسلطة: جدلية التأويل في تشكيل الوعي الديني والسياسي


عمان جو- حين تتحوّل الحقيقةُ إلى خطاب، والسلطةُ إلى تأويل، والوعيُ الجماعي إلى مرآةٍ تعكس ما يُراد له أن يُرى، لا ما هو كائنٌ فعلًا، يصبح الإنسانُ أمام سؤالٍ وجوديٍّ قاسٍ: هل نحن نُفكّرُ داخل الحقيقة، أم تُفكَّرُ الحقيقةُ من خلالنا؟



بقلم : زيد أبو زيد

ليست الفكرةُ في ذاتها ما يُقلق، بل الطريقة التي تُصبح بها الأفكارُ “نظامًا” يحدّد ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز. فكلُّ مجتمعٍ لا يعيش داخل الحقائق المجردة، بل داخل خطابٍ عن الحقيقة، يُنتجه تداخلُ السلطة مع المعرفة، والتأويل مع الشرعية.

ومن هنا، فإنَّ الاقتراب من هذه المساحة لا يعني تحليل السياسة أو الدين بوصفهما مجالين منفصلين، بل تفكيك البنية العميقة التي تُنتج الوعي الجماعي، وتُعيد تشكيله باستمرار.


يمكن فهمُ هذا التعقيد من خلال أربع دوائر مترابطة: الحقيقة، التأويل، السلطة، والوعي الجماعي.

فـ الحقيقة ليست مجرد معطى ثابت، بل هي ما يُفترض أنه مستقل عن رغبات البشر. لكنها لا تصل إلينا في صورتها الخام، بل عبر خطابٍ يصفها ويؤوّلها ويُعيد إنتاجها.

وهنا يبدأ دور التأويل، الذي لا يعمل فقط كأداة تفسير، بل كـ”جسرٍ خفي” تنتقل عبره الحقيقة من مجالها المجرد إلى المجال الاجتماعي. غير أن هذا الجسر قد يتحول إلى بوابة احتكار، حين تدّعي جهة ما أنها المفسّر الوحيد للحقيقة.

ومن هنا تتداخل السلطة مع التأويل.
فالسلطة ليست مجرد قوة مادية أو سياسية، بل هي القدرة على تحديد المعنى المقبول للحقيقة داخل المجتمع. أي أنها تتحكم ليس فقط في الأفعال، بل في “إطار التفكير” الذي تُفهم من خلاله الأفعال.

وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية: الخطاب.
فالخطاب ليس مجرد كلام، بل هو منظومة من المعاني المنظمة التي تُنتج الواقع كما يُفهم. ومن يملك الخطاب، يملك القدرة على تشكيل الوعي دون أن يُمارس الإكراه المباشر.

أما الوعي الجماعي، فهو الحقل الذي تتجلى فيه كل هذه العناصر. إنه ليس مجموع وعي الأفراد، بل البنية الرمزية التي تُحدد ما يعتبره المجتمع بديهيًا، طبيعيًا، أو غير قابل للنقاش.

في هذا السياق، يصبح الدين والسياسة حقلين شديدي الحساسية؛ لأن كليهما يتعامل مع المعنى النهائي للوجود والمجتمع. وحين تُستدعى المفاهيم الدينية داخل الصراع السياسي، أو تُستخدم السياسة لإعادة تعريف الدين، يحدث ما يمكن تسميته بـ”تشويش الوعي”، حيث تختلط الحدود بين المقدّس والتاريخي، وبين الثابت والمتحوّل.

فالشرعية ليست مجرد قبول اجتماعي، بل هي الإطار الذي يُمنح من خلاله الفعل السياسي أو الفكري صفة القبول الأخلاقي داخل الوعي الجماعي.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الشرعية إلى “مرآة للسلطة”، لا إلى معيار مستقل عنها. عندها يصبح ما هو قائمٌ شرعيًا لأنه قائم، لا لأنه حقّ، ويصبح ما هو حقٍّ مشكوكًا فيه لأنه لا يمتلك أدوات السلطة.

في هذا المستوى، يتعرض الإنسان لارتباك معرفي عميق:
هل نرى الحقيقة كما هي؟ أم كما تمّت صياغتها داخل شبكة من الخطابات المتداخلة التي تنتجها السلطة والتاريخ والهوية؟

إنَّ أخطر ما في هذا الارتباك أنه لا يُعلن نفسه، بل يتخفّى في شكل “بداهة جماعية”، تجعل المجتمع يعتقد أن ما يراه هو الحقيقة، بينما هو في الواقع أحد احتمالاتها المؤطَّرة.

إنَّ تفكيك العلاقة بين الحقيقة والسلطة لا يعني إنكار الحقيقة، بل تحريرها من الاحتكار. كما أن نقد الخطاب لا يعني إسقاط المعنى، بل إعادة فتحه على احتمالات الفهم. وفي النهاية، يبقى الوعي الجماعي ساحةً مفتوحةً للصراع بين ما يُراد له أن يُصدَّق، وما يمكن أن يُفكَّر فيه خارج حدود المألوف.

فحين تتكاثرُ الخطاباتُ حول الحقيقة، لا تضيع الحقيقةُ دائمًا، لكن يضيع الطريقُ إليها.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :