إتصل بنا من نحن إجعلنا صفحتك الرئيسية

الحاج عبد الله إسميك… حين يتحول الإنسان إلى أثر لا يغيب  


عمان جو – شادي سمحان

في أحد أحياء عمّان كان باب "مجلس أهالي قلقيلية" يُفتح كل صباح قبل أن يكتمل ضوء النهار هناك لم يكن الناس يدخلون حاملين بطاقات دعوة أو مواعيد رسمية بل كانوا يدخلون مثقلين بالحاجة وبشيء من الأمل وكانوا يعرفون أن الرجل الجالس في الداخل لن يسألهم كثيراً ولن يتركهم يخرجون خاليي اليد هكذا عرف الناس الحاج عبد الله إسميك ليس كرجل أعمال فقط بل كرجلٍ كانت عيناه تلتقطان تعب الناس بسرعة وكأن بينه وبين البسطاء لغة لا تحتاج إلى شرح.

ولد عام 1939 وفي داخله شيء يشبه قلقيلية التي لم تغادره يوماً المدينة الفلسطينية التي بقيت تسكن تفاصيله حتى بعدما ابتعدت المسافات لم يكن يتحدث عنها كذكرى بل كقضية شخصية وكأن كل إنسان خرج منها يحمل جزءاً من مسؤوليته كبر وهو يرى كيف يمكن للغربة أن تكسر الناس وكيف يمكن للفقر أن يسرق من الإنسان كرامته لذلك لم يتعامل مع العمل الخيري كواجب اجتماعي أو صورة موسمية بل كحالة إنسانية مستمرة كان يؤمن أن المساعدة الحقيقية لا تعني أن تمنح شخصاً مالاً ليوم واحد بل أن تمنحه فرصة ليقف من جديد ولهذا لم يبنِ مشروعه على “الإعانة” فقط بل على فكرة السند الطويل.

ففي طبربور لم يؤسس مجلس أهالي قلقيلية كمبنى عادي بل كبيت مفتوح للناس بيت يستطيع فيه الطالب أن يجد منحة تكمل تعليمه والأب أن يجد من يساعده دون أن يشعر بالحرج والعائلة أن تجد مكاناً يحفظ لها شعورها بالانتماء الذين عرفوه عن قرب يتحدثون عن رجل لا يحب الضجيج ولا يبحث عن التصفيق كان يفضّل أن يصل الخير بصمت وأن تبقى كرامة الناس أعلى من أي إعلان أو صورة وكان يستطيع أن يجلس مع رجل بسيط لساعات يستمع لتفاصيل حياته وكأنها القضية الأهم في يومه.

وحين أطلق منحته الجامعية لم يكن يفكر بصناعة اسم بقدر ما كان يفكر بطالب قد يتوقف مستقبله لأن قسط الجامعة أكبر من قدرة عائلته كان يرى أن التعليم ليس رفاهية بل باب نجاة ولذلك تحولت المنحة مع السنوات إلى حكاية عبور لعشرات الشباب نحو حياة مختلفة.

وحتى في رمضان لم يكن المشهد بالنسبة له مجرد توزيع طرود غذائية بل كان يصرّ أن تصل المساعدة بطريقة تحفظ كرامة العائلات وأن يشعر المحتاج بأنه يتلقى دعماً لا شفقة والأقربون منه كانوا يقولون إن أكثر ما كان يفرحه ليس نجاح أعماله بل أن يرى شخصاً يقف على قدميه بعد عثرة وأن يسمع دعوة صادقة من أم استطاع أن يخفف عنها ثقل الأيام.

وفي آب 2021 غاب الحاج عبد الله إسميك جسداً لكن الحكاية لم تتوقف عند صورة معلّقة أو اسم يُذكر في المناسبات فالحكاية الحقيقية تبدأ كل مرة يدخل فيها طالب إلى جامعته بمنحة صنعت له مستقبلاً وكل مرة تعود فيها عائلة إلى بيتها وهي تشعر أن ضيق الحياة لم يهزمها بالكامل.

وبرز نجله حسن عبد الله إسميك كأحد أبرز الداعمين لمسيرة الخير التي بدأها والده عبر استكمال المشاريع الإنسانية وتوسيع دائرة الدعم فيما تولّى نجله محمد إدارة مجلس قلقيلية ليستمر الصرح بنفس الروح التي أرادها المؤسس الأول كما كان لنجله يحيى حضور واضح في الحفاظ على نهج العائلة القائم على التكافل والعمل الإنساني ليبقى إرث الحاج عبد الله إسميك ممتداً عبر أبنائه كفكرة تُمارس على الأرض لا كحكاية تُروى فقط.

بعض الرجال يتركون وراءهم شركات وأرقاماً أما هو فترك وجوهاً تعرفه بالدعاء وترك أبواباً ما زالت تُفتح للناس بنفس الروح التي عاش لأجلها ولهذا لم يكن عبد الله إسميك مجرد رجل أعمال أو فاعل خير بل ذاكرة إنسانية كاملة ما تزال تمشي بين الناس حتى بعد الغياب.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :